وقد وقف له على رسالة كتبها بالذهب : « وقف الخادم على ما دبّجته أنامل الحضرة التي إذا صاب سحابها روّض لساعته ، وإذا عدمت حقيقة السحر فهي التي نفثها بيانه في روع يراعته ، فانتقل من الاستحسان إلى التسبيح ، لأن حروفه شذور السّبح وخلص من الترجيح بأول ما صافح الطرف من الطرف واللمح من الملح ، فتناول منها جنة قد زخرفت بنار ، وليلة قد وثّجت بهار ، وروضة قد سقيت بأنهار عقار ، وعارض ذهب قد أذيب ، يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ، فتعالى من ألان لداود عليه السلام الحديد ، ولها الذهب ، وأيقظ به جدّ هذه الصناعة بعد أن نام بين الأنام فهبّ ، وأعلم الناس أنّ القلم في يد ابن البوّاب للضرب لا للطرب ، وأن قيمة كل منها ومنه ما به في هذه الصناعة وكتب ، وجلّاها بتمام البدور وأعطاه ما أعطى أباه من المحاق ، وأخرّ زمانها وقدّم زمانه ورزقها السّبق وحرمه اللّحاق ، فمن ألفات ألفت الهمزات غصونها حمائم ، ومن لامات بعدها يحسدها المحب على عناق قدودها النواعم ، ومن صادات نقعت غلل القلوب الصوادي والعيون الحوائم ، ومن واوات ذكرت ما في جنة الأصداغ من العطفات ، ومن ميمات دنت الأفواه من ثغورها لتنال جني الرشفات ، / ومن سينات كأنها التأشير في تلك الثغور ، ومن دالات دالّات على الطاعة لكاتبها بانحناء الظهور ، ومن جيمات كالمناسر تصيد القلوب التي تخفق لروعات الاستحسان كالطيور وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين وخالد فيها خالد ، وتحيته فيها المحامد ، ويده تضرب في ذهب ذائب والخلق تضرب في حديد بارد ، فهي اليد التي تنظم تيجان الملوك بدرّها وتظهر آية الكرم على قراطيسها لما تظهره من تبرها ، وما كنت قبل يدها أحسب أن سحابا يمطر نضارا ، ولا أن ماء يستمد نارا ، ولا أن أقلامها سفكت دم المال فأجرته أنهارا ، ولا قلّ لحظها أن الشفق لا يشفق من طلوع الفجر ، ولا أن لون الوصل ينقض على لون الهجر ، ولا أن الليل يتشبث بعطف البرق فلا يريم ، ولا أن
الوافي بالوفيات ( دار صادر ) — صفحة 353
مساهمون: خليل الصفدي
ص٣٥٣