ودخل الطرماح يوما على خالد بن عبد اللّه القسري فأنشده قوله : [ الطويل ]
وشيّبني ما لا أزال مناهضا * بغير غنى أسمو به وأبوع
وأنّ رجال المال أضحوا وما لهم * لهم عند أبواب الملوك شفيع
أمخترمي ريب المنون ولم أنل * من المال ما أعصي به وأطيع
فأمر له بعشرين ألف درهم وقال : امض الآن فاعص « 1 » بها وأطع . ووفد الطرمّاح والكميت على مخلد بن يزيد المهلّبي فجلس لهما ودعاهما ، فتقدم الطرماح لسنّه ، فقيل له : أنشد قائما ، فقال : كلا واللّه « 2 » ! ما قدر الشّعر أن أقوم له فيحطّ من قدري بقيامي وأحطّ منه بضراعتي ، وهو عمود الفخر وبيت الذكر لمآثر العرب ، قيل له : فتنحّ ؛ ودعي بالكميت فأنشده قائما ، فأمر له بخمسين ألف درهم ، فلما خرج الكميت شاطرها الطرمّاح ، فقال له الكميت :
يا أبا نفر ، أنت أبعد / همّة وأنا ألطف حيلة . قال ابن شبرمة : كان الطرمّاح لنا جليسا ، ففقدناه أياما ، فقمنا جميعا لننظر ما دهاه ، فلما كنا قريبا من منزله إذا نحن بنعش عليه مطرف أخضر ، فقلنا : لمن هذا ؟ فقيل « 3 » : نعش الطرمّاح ، فقلنا : ما استجيب له حيث يقول : [ الطويل ]
وإني لمقتاد جوادي وقاذف * به وبنفسي العام « 4 » إحدى المقاذف
لأكسب مالا أو أؤول إلى غنى * من اللّه يكفيني عداة « 5 » الخلائف
فيا ربّ إن حانت وفاتي فلا تكن * على شرجع يعلى بخضر المطارف
ولكنّ قبري بطن نسر مقيله * بجوّ السماء في نسور عواكف
وأمسي شهيدا ثاويا في عصابة * يصابون في فجّ من الأرض خائف
فوارس من شيبان ألّف بينهم * تقى اللّه نزّالين « 6 » عند التزاحف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى * وصاروا إلى ميعاد ما في المصاحف
هامش
( 1 ) ل : واعص .
( 2 ) واللّه : سقطت من س .
( 3 ) ل : فقالوا .
( 4 ) س : اليوم ؛ والكلمة ساقطة من ل .
( 5 ) الأغاني : عدات ؛ وفي م ل : غداة .
( 6 ) الأغاني : نزالون .