فقل في منهل عذب * تمكّن منه عطشان
ثم كانت المؤانسة فكدت أصعق لمّا أنشدني قوله وما وجدت روحي معي البتّة « 1 » : [ من الطويل ]
رويدك قد أفنيت يا بين أدمعي * وحسبك قد أحرقت يا وجد أضلعي
إلى كم أقاسي لوعة بعد لوعة * وحتّى متى يا بين أنت معي معي
وقالوا علمنا ما جرى منك بعدنا * فلا تظلموني ما جرى غير أدمعي
رعى اللّه ذاك الوجه حيث توجّهوا * وحيّته عنّي الشمس في كلّ مطلع
ويا ربّ جدّد كلّما هبّت الصّبا * سلامي على ذاك الحبيب المودّع
قفوا بعدنا تلفوا مكان حديثنا * له أرج كالمندل المتضوّع
وقلت له وقد أعجبه انفعالي لما صدر عنه من هذه المحاسن الغراميّة : يا سيّدي ، لا يمضي اعتقادي فيكم مذ مدّة طويلة وأنا بالمغرب الأقصى ضائعا والغرض كلّه التهذيب الموصل إلى ما يتعلّق بأهداب طريقتكم . فقد علمتم أن مهيارا من عجم الديلم لما شرب ماء دجلة والفرات وصحب سيّدة الشريف الرضي ، نمت أسراره من خلال أشعاره . فتبسّم وقال : ما تنزّلت أنت إلى أوّل / طبقة مهيار ولا ترفّعت أنا إلى طبقة الشريف ، لكن كلّ زمان له رؤساء وأتباع في كلّ فنّ وإن تكونوا صغار قوم فستكونوا كبار قوم آخرين . واعلم أنك نشأت ببلاد ولع شعراؤها بالغوص على المعاني ، وزهدوا في عذوبة الألفاظ والتلاعب بمحاسن صياغتها المكسوّة بأسرار الغرام . فطريقة المغاربة مثل قول ابن خفاجة « 2 » : [ من الكامل ]
وعشيّ أنس أضجعتنا نشوة * فيها تمهّد مضجعي وتدمّث
هامش
( 1 ) الديوان 103 والنجوم الزاهرة .
( 2 ) ديوان ابن خفاجة 40 .