كان من أهل الدين والفضل حسن الاعتقاد جميل المذهب وله مصنّفات حسان في الأدب ، توفي سنة إحدى عشرة وثلاث مائة وهو أستاذ أبي علي الفارسي ، قال : كنت أخرط الزّجاج فاشتهيت النحو فلزمت المبرّد وكان لا يعلّم إلّا بأجرة فقال لي : أيّ شيء صناعتك ؟ قلت : أخرط الزجاج وكسبي كلّ يوم درهم ودانقان - أو درهم ونصف - وأريد أن تبالغ في تعليمي وأنا أعطيك كلّ يوم درهما « 1 » وألتزم بذلك أبدا إلى أن يفرّق الموت بيننا استغنيت عن التعليم أو « 2 » احتجت إليه ، فكان ينصحني في التعليم حتى استقللت وأنا أعطيه الدرهم كلّ يوم ، فجاءه كتاب من بعض بني مارقة من الصّراة يلتمسون نحويّا لأولادهم فقلت له : أسمني لهم ، فأسماني فخرجت فكنت أعلّمهم وأنفذ إليه كلّ شهر « 3 » ثلاثين درهما وأزيده ما أقدر عليه ، ومضت مدّة فطلب منه عبيد اللّه بن سليمان مؤدّبا لابنه القاسم فقال : لا أعرف إلّا رجلا زجّاجا بالصراة مع بني مارقة « 4 » ، فكتب إليهم فأحضرني وأسلم إليّ القاسم فكان ذلك سبب غنائي ، فكنت أعطي المبرّد ذلك الدرهم إلى أن مات ولا أخليه من التفقّد بحسب طاقتي ، فكنت أقول للقاسم بن عبيد اللّه :
إن بلّغك اللّه الوزارة ما ذا تصنع بي ؟ فيقول : ما أحببت ، فأقول له :
تعطيني عشرين ألف دينار ، وكانت غاية أمنيّتي ، فلمّا ولي القاسم الوزارة وأنا نديمه وملازمه هبته أن أذكره ، فلمّا كان اليوم الثالث من وزارته قال لي : يا أبا إسحاق لم أرك تذكرني بالنذر ، فقلت : عوّلت على رعاية الوزير ، فقال لي : إنّه المعتضد ولولاه ما تعاظمني دفع ذلك إليك « 5 » في مكان واحد ولكني أخاف أن يصير لي معه حديث في ذلك فاسمح بأخذه
هامش
( 1 ) في الأصل : درهمان .
( 2 ) في الأصل : و .
( 3 ) في الأصل : شهير .
( 4 ) في الأصل : مارمة وكذلك هو في تاريخ بغداد والقفطي .
( 5 ) في الأصل : ودفع ذلك إليه ، والتصويب من تاريخ بغداد ومعجم الأدباء 1 : 133 والمنتظم 6 : 177 .