وقربه منه ، وكان أول داخل إليه يدخل كلّ يوم قبل كلّ ذي وظيفة برانية من أرباب السيوف والأقلام فيسأل السلطان عن أحواله وأحوال مبيته وأعراضه في ليلته فيحدّثه في ذلك ثم أمور بقية المرضى من السلطان والأمراء ومماليك السلطان وأرباب وظائف وسائر الناس ، ويسأله السلطان عن أحوال البلد ومن فيه من القضاة والمحتسب ووالي البلد وعمّا يقوله العوامّ ويستفيض فيه الرعية ومن لعلّه وقع في تلك الليلة بخدمة أو أمسك بجريرة أو أخذ بحقّ أو ظلم ، ولهذا كان يخشى ويرجى وتقبل شفاعاته وتقضى حاجاته ، وكان يجد سبيله إذا أراد لغيبة أرباب الوظائف السلطانية ولا يجدون سبيلا لهم عليه إذ تناط بهم أمور من تصرّف في مال أو عزل وولاية يقال في ذلك بسببهم ولا يناط به شيء من ذلك يقال فيه بسببه ، فلهذا طال مكثه ودامت سعادته ولم يغير عليه مغير ولا استحال عليه السلطان وحصّل النعم العظيمة والأموال الوافرة والسعادة المتكاثرة . أخبرني القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل اللّه قال :
لقد حرص النّشو على رميه من عين السلطان بكلّ طريق فلم يقدر حتى إنّه عمل أوراقا بما على الخاصّ من المتأخرات من زمان من تقدّمه وذكر فيها « 1 » جملة كثيرة ثمن صنف - أظنّه رصاصا - بيع من جمال الدين ، ثم قرأ الأوراق على السلطان ليعلمه أن له أموالا واسعة يتكسب فيها ويتاجر على السلطان ، قال لي ابن قروينه - وكان حاضرا - : قرأتها واللّه أعلم ، لقد بقي يعيد ذكر جمال الدين مرّات ويرفع صوته به ثم يسكت ليفتح السلطان معه بابا فيه فيقول : فما ذا يريد ؟ فما زاد السلطان على أن قال : هذا لا تؤخره روح الساعة ، أعطه ماله ولا تؤخر له شيئا . وقال لي القاضي شهاب الدين ابن فضل اللّه أيضا : وكان السلطان عارفا بما لجمال الدين من المنافع ممّا يحصل له من الخلع الكوامل والبغال المسرّجة الملجمة والتعابي والقماش والإنعامات من الآدر السلطانية والأمراء وآدرهم والأعيان عنده عافية مرضاهم
هامش
( 1 ) في الأصل : وذكره في .