21 )
إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
( الحج : 1 ) كتبت إلى مولانا السلطان الملك الظاهر أحسن اللّه عزاءه وجبر مصابه ، وجعل فيه الخلف في الساعة المذكورة ، وقد زلزل المسلمون زلزالا شديدا ، وقد حفرت الدموع المحاجر ، وبلغت القلوب الحناجر ، وقد ودعت أباك ومخدومي وداعا لا تلاقي بعده ، وقد قبّلت وجهه عني وعنك ، وأسلمته إلى اللّه تعالى مغلوب الحيلة ضعيف القوة ، راضيا عن اللّه ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه ، وبالباب من الجنود المجندة والأسلحة المعدّة ما لم يدفع البلاء ، ولا ملك يرد القضاء ، وتدمع العين ويخشع القلب ، ولا نقول إلا ما يرضي الرب ، وإنا عليك لمحزونون يا يوسف . وأما الوصايا فما تحتاج إليها ، والآراء فقد شغلني المصاب عنها ، وأما لائح الأمر فإنه إن وقع اتفاق فما عدمتم إلا شخصه الكريم ، وإن كان غيره فالمصائب المستقبلة أهونها موته وهو الهول العظيم ، والسلام » .
قلت : للّه دره ، فلقد أبدع في هذه الرسالة الوجيزة ، مع ما تضمنته من المقاصد السديدة ، في مثل تلك الحالة التي يذهل فيها الإنسان عن نفسه .
قلت : وقد ذكرت كل واحد من أولاده المذكورين ، وهم الأفضل والظاهر والعزيز في ترجمة مستقلة ، وعينت تاريخ مولده وموته ، سوى الملك الظافر المشهور بالمشمر ، فاني لم أذكر له ترجمة مستقلة ، وقد ذكرته ها هنا فيحتاج إلى ذكر شيء من أحواله ، فأقول :
392 لقبه مظفر الدين وكنيته أبو الدوام ، وأبو العباس الخضر ، وإنما قيل له المشمر لأن أباه ، رحمه اللّه تعالى ، لما قسم البلاد بين أولاده الكبار قال : وأنا مشمر ، فغلب عليه هذا اللقب . وكان مولده بالقاهرة في سنة ثمان وستين وخمسمائة ، في خامس شعبان ، وهو شقيق الملك الأفضل ، وتوفي في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وستمائة بحران ، عند ابن عمه الملك الأشرف ابن الملك العادل ، ولم يكن الأشرف يومئذ ملكا وإنما كان مجتازا بها عند دخوله بلاد الروم لأجل الخوارزمية .