مع ولده الملك الأفضل في أمرها أيضا ثم قال : لأن أفقد ولدي جميعهم أحبّ إلي من أن أهدم منها حجرا ، ولكن إذا قضى اللّه تعالى ذلك وكان فيه مصلحة للمسلمين فما الحيلة في ذلك ؟ قال : ولما اتفق الرأي على إخرابها أوقع اللّه تعالى في نفسه ذلك ، وأن المصلحة فيه ، لعجز المسلمين عن حفظها .
وشرع في إخرابها سحرة يوم الخميس التاسع عشر من شعبان من السنة ، وقسم السور على الناس ، وجعل لكل أمير وطائفة من العسكر بدنة معلومة وبرجا معينا يخربونه ، ودخل الناس البلد ووقع فيهم الضجيج والبكاء ، وكان بلدا خفيفا على القلب محكم الأسوار عظيم البناء ، مرغوبا في سكنه ، فلحق الناس على خرابه حزن عظيم ، وعظم عويل أهل البلد عليه لفراق أوطانهم ، وشرعوا في بيع ما لا يقدرون على حمله ، فباعوا ما يساوي عشرة دراهم بدرهم واحد ، وباعوا اثني عشر طير دجاج بدرهم واحد ، واختبط البلد ، وخرج الناس بأهلهم وأولادهم إلى المخيم وتشتتوا ، فذهب قوم منهم إلى مصر وقوم إلى الشام ، وجرت عليهم أمور عظيمة ، واجتهد السلطان وأولاده في خراب البلد كي لا يسمع العدو فيسرع إليه ولا يمكن من إخرابه ، وبات الناس على أصعب حال وأشد تعب مما قاسوه في خرابها . وفي تلك الليلة وصل من جانب الملك العادل من أخبر أن الفرنج تحدثوا معه في الصلح وطلبوا جميع البلاد الساحلية ، فرأى السلطان أن ذلك مصلحة لما علم من نفس الناس من الضجر من القتال وكثرة ما عليهم من الديون ، وكتب إليه يأذن له في ذلك ، وفوض الأمر إلى رأيه ، وأصبح يوم الجمعة العشرين من شعبان وهو مصرّ على الخراب ، واستعمل الناس عليه ، وحثهم على العجلة فيه ، وأباحهم ما في الهري الذي كان مدخرا للميرة « 1 » خوفا من هجوم الفرنج والعجز عن نقله . وأمر باحراق البلد فأضرمت النيران في بيوته ، وكان سورها عظيما ، ولم يزل الخراب يعمل في البلد إلى سلخ شعبان من السنة ، وأصبح يوم الاثنين مستهل شهر رمضان أمر ولده الملك الأفضل أن يباشر ذلك بنفسه وخواصه ، ولقد رأيته يحمل الخشب بنفسه لأجل الاحراق .
هامش
( 1 ) المختار : للميرة مدخرا .