فدخل القاهرة ، فرأى جمعا كبيرا من من العامة فخافهم فقال لهم : إن مولانا العاضد أمركم بنهب دار شاور ، فتفرقوا ومضوا لنهبها ، ودخل على العاضد فتلقاه وأفاض عليه خلع الوزارة ، ولقبه الملك المنصور أمير الجيوش . ثم إنه مات يوم الأحد لسبع بقين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة بعلة الخوانيق ، وقيل إنه سم في حنك الوزارة لما خلع عليه . وكانت وفاته بالقاهرة ودفن بدار الوزارة ، ثم نقل إلى المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، فكانت مدة وزارته شهرين وخمسة أيام . وقيل إن أسد الدين دخل على العاضد يوم الاثنين التاسع عشر من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة ، واللّه أعلم .
قلت : قد تقدم في ترجمة كل واحد من شاور وأسد الدين ذكر شيء من هذه الأمور التي ذكرتها ها هنا ، وإنما أعدت الكلام فيها لأني استوفيتها ها هنا أكثر من هناك ، وأيضا فان المقصود في هذا كله ذكر سيرة صلاح الدين وتنقلاته وما جرى له من أول أمره إلى آخره ، فأحببت ذكر ذلك على سياقة واحدة كي لا ينقطع الكلام فيبقى أبتر ، فأقول :
ذكر المؤرخون « 1 » أن أسد الدين لما مات استقرت الأمور بعده للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ، وتمهدت القواعد ومشى الحال على أحسن الأوضاع ، وبذل الأموال وملك قلوب الرجال ، وهانت عنده الدنيا فملكها ، وشكر نعمة اللّه تعالى عليه ، فتاب عن الخمر وأعرض عن أسباب اللهو ، وتقمص بقميص الجد والاجتهاد ، وما زال على قدم الخير وفعل ما يقربه إلى اللّه تعالى ، إلى أن مات .
قال شيخنا ابن شداد « 2 » : « سمعته يقول رحمه اللّه تعالى : لما يسر لي اللّه الديار المصرية علمت أنه أراد فتح الساحل لأنه أوقع ذلك في نفسي . ومن حين استتب له الأمر ما زال يشن الغارات على الفرنج إلى الكرك والشوبك وبلادهما
هامش
( 1 ) انظر سيرة صلاح الدين : 40
( 2 ) المصدر السابق : 41 .