تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
ابن تاشفين فلما رأى ما فعله من الاستعداد بالجمع الكثير رحل عن مكانه ، وأوهمه خواصه أن ملوك الأندلس يفرون عنه ويخلون بينه وبين الأذفونش فأصغى إلى كلامهم وعمل في نفسه قولهم ، فأخذ في الحركة إلى البرية ، وتحرك الجميع بحركته وجاز البحر عائدا إلى بلاده ، وقد وغر صدره على ملوك الأندلس ، وتبين لهم تغيره عليهم وخافوه ، فشرعوا في تحصين بلادهم وتحصيل الأقوات ، وراسل بعضهم الأذفونش ليكون عونا له خوفا من ابن تاشفين ، فأجابه الأذفونش بالإعانة والمساعدة ، وكان قد سيّر له هدايا وألطافا كثيرة فقبلها منه ، وحلف له على جميع ما التمس منه ، واتصل ذلك بابن تاشفين فاستشاط غيظا . ثم إن ابن تاشفين جاز البحر مرة ثالثة وقصد قرطبة وهي لابن عباد ، فوصلها في جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين ، وقد سبقه إليها ابن عباد ، فخرج إليه بالضيافة وجرى معه على عادته . ثم إن ابن تاشفين أخذ غرناطة من صاحبها عبد اللّه بن بلكين بن باديس بن حبوس وحبسه ، فطمع ابن عباد في غرناطة وأن ابن تاشفين يعطيه إياها ، فعرّض له بذلك ، فأعرض عنه ابن تاشفين ، وخاف ابن عباد منه ، وعمل على الخروج عنه فقال له : إنه جاءته كتب من إشبيلية ، وهم خائفون من العدو المجاور لهم واستأذنه في العود إليها ، فأذن له فعاد . ثم رجع ابن تاشفين إلى بلاده وجاز البحر في شهر رمضان من سنة ثلاث وثمانين ، وأقام ببلاده إلى أن دخلت سنة أربع وثمانين ، ثم عزم على العبور إلى الأندلس لمنازلة ابن عباد ، وبلغ ذلك ابن عباد فأخذ في التأهب والاستعداد ، ووصل ابن تاشفين إلى سبتة وجمع العساكر الكثيرة وقدّم عليهم سير بن أبي بكر فجازوا البحر وضايقوا بلاد ابن عباد ، فاستصرخ بالأذفونش فلم يلتفت إليه ، وكان ما ذكرته ، واللّه أعلم . وفي هذه الترجمة ذكر الملثمين فيحتاج إلى الكلام عليه ، والذي وجدته أن أصل هؤلاء القوم من حمير بن سبأ ، وهم أصحاب خيل وإبل وشاء ، ويسكنون الصحارى الجنوبية وينتقلون من ماء إلى ماء كالعرب ، وبيوتهم من الشعر والوبر ، وأول من جمعهم وحرضهم على القتال وأطمعهم في تملك
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 128 | ابن خلكان / إحسان عباس / إحسان عباس