البلاد عبد اللّه بن ياسين الفقيه ، وقتل في حرب جرت مع برغواطة ، وقام مقامه أبو بكر ابن عمر الصنهاجي الصحراوي - المقدم ذكره - ومات في حرب السودان ، وقد ذكرنا حديث يوسف بن تاشفين وسبب تقدمه ، وهو الذي سمى أصحابه المرابطين ، وهم قوم يتلثمون ولا يكشفون وجوههم ، فلذلك سموهم الملثمين ، وذلك سنّة لهم يتوارثونها خلفا عن سلف ، وسبب ذلك على ما قيل أن حمير كانت تتلثم لشدة الحر والبرد يفعله الخواص منهم ، فكثر ذلك حتى صار يفعله عامتهم . وقيل كان سببه أن قوما من أعدائهم كانوا يقصدون غفلتهم إذا غابوا عن بيوتهم فيطرقون الحي فيأخذون المال والحريم ، فأشار عليهم بعض مشايخهم أن يبعثوا النساء في زي الرجال إلى ناحية ويقعدوا هم في البيوت ملثمين في زي النساء ، فإذا أتاهم العدو ظنوهم النساء فيخرجون عليهم ، ففعلوا ذلك وثاروا عليهم بالسيوف فقتلوهم ، فلزموا اللثام تبركا بما حصل لهم من الظفر بالعدوّ .
وقال شيخنا الحافظ عز الدين ابن الأثير في تاريخه الكبير ما مثاله :
وقيل إن سبب اللثام لهم أن طائفة من لمتونة خرجوا مغيرين على عدو لهم فخالفهم العدو إلى بيوتهم ، ولم يكن بها إلا المشايخ والصبيان والنساء ، فلما تحقق المشايخ أنه العدو أمروا النساء أن تلبس ثياب الرجال ويتلثمن ويضيقنه حتى لا يعرفن ، ويلبسن السلاح ، ففعلن ذلك ، وتقدم المشايخ والصبيان أمامهن واستدار النساء بالبيوت ، فلما أشرف العدو رأى جمعا عظيما فظنه رجالا وقالوا : هؤلاء عند حريمهم يقاتلون عنهن قتال الموت ، والرأي أن نسوق النعم ونمضي ، فإن اتبعونا قاتلناهم خارجا عن حريمهم . فبينما هم في جمع النعم من المراعي إذ أقبل رجال الحي ، فبقي العدو بينهم وبين النساء ، فقتلوا من العدو وأكثروا وكان من قبل النساء أكثر . فمن ذلك الوقت جعلوا اللثام سنة يلازمونه فلا يعرف الشيخ من الشاب ولا يزيلونه ليلا ولا نهارا .
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 129
مساهمون: ابن خلكان
ص١٢٩