فوضى على غير تعبية ولا أهبة ، ودهمتهم خيل العدو ، فقمرت ابن عباد وحطمت ما تعرض لها ، وتركت الأرض حصيدا خلفها ، وصرع ابن عباد وأصابه جرح أشواه ؛ وفر رؤساء الأندلس وأسلموا محلاتهم ، وظنوا أنها وهية لا ترقع ونازلة لا تدفع ، وظن الأذفونش أن أمير المسلمين في المنهزمين ولم يعلم أن العاقبة للمتقين ، فركب أمير المسلمين وأحدق به أنجاد خيله ورجاله من صنهاجة ورؤساء القبائل ، فعمدوا إلى محلة الأذفونش فاقتحموها ودخلوها وقتلوا حاميتها ، وضربت الطبول فاهتزت الأرض وتجاوبت الآفاق ، وتراجع الروم إلى محلتهم بعد أن علموا أن أمير المسلمين فيها ، فصدموا أمير المسلمين فأفرج لهم عنها ، ثم كر فأخرجهم منها ، ثم كروا عليه فأفرج لهم عنها ، ولم تزل الكرات بينهم تتوالى إلى أن أمر أمير المسلمين حشمه السودان فترجل منهم زهاء أربعة آلاف ودخلوا المعترك بدرق اللمط وسيوف الهند ومزاريق الزّان ، فطعنوا الخيل فرمحت بفرسانها وأحجمت عن أقرانها ، وتلاحق الأذفونش بأسود نفدت مزاريقه بالقذف ، فأهوى ليضربه بالسيف ، فلصق به الأسود وقبض على أعنته وانتضى خنجرا كان منتطقا به ، فأثبته في فخذه فهتك حلق درعه وشك فخذه مع بداد سرجه ، وكان وقت الزوال من ذلك اليوم ، فهبت ريح النصر وأنزل اللّه سكينته على المسلمين ونصر دينه ، وصدقوا الحملة على الأذفونش وأصحابه ، فأخرجوهم عن محلتهم ، فولوا ظهورهم وأعطوا أعناقهم ، والسيوف تصفعهم إلى أن لحقوا بربوة لجأوا إليها واعتصموا بها ، وأحدقت بهم الخيل ؛ فلما أظلم الليل انساب الأذفونش وأصحابه من الربوة ، وأفلتوا بعد ما نشبت فيهم أظفارهم ، واستولى المسلمون على ما كان في محلتهم من الأثاث والآنية والمضارب والأسلحة ، وأمر ابن عباد بضم رؤوس قتلى الروم ، فنشر منها أمامه كالتل العظيم ، ثم كتب ابن عباد إلى ولده الرشيد كتابا وأطار به الحمام يوم السبت سادس عشر المحرم يخبره بالنصر .
وقد روي أيضا أن أمير المسلمين طلب من أهل البلاد المعونة على ما هو بصدده ، فوصل كتابه إلى المرية في هذا المعنى ، وذكر فيه أن جماعة أفتوه
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 118
مساهمون: ابن خلكان
ص١١٨