وان الأذفونش خرج في بعض السنين يتخلل بلاد الأندلس في جمع كبير من الفرنج ، فخافه ملوك الأندلس على البلاد ، وأجفل أهل القرى والرساتيق من بين يديه ولجأوا إلى المعاقل ، فكتب المعتمد بن عباد إلى يوسف بن تاشفين يقول له : إن كنت مؤثرا للجهاد فهذا أوانه ، فقد خرج الأذفونش إلى البلاد ، فأسرع في العبور إليه ، ونحن معاشر أهل الجزيرة بين يديك ؛ وكان يوسف بن تاشفين على أتم أهبة ، فشرع في عبور عساكره ، فلما أبصر ملوك الأندلس عبور أهل المغرب يطلبون الجهاد ، وكانوا قد وعدوا من أنفسهم بالمساعدة ، أعدوا أيضا للخروج ، فلما رأى الأذفونش اجتماع العزائم على مناجزته علم أنه عام نطاح ، فاستنفر الفرنجية للخروج فخرجوا في عدد لا يحصيه إلا اللّه تعالى . ولم تزل الجموع تتألف وتتدارك إلى أن امتلأت جزيرة الأندلس خيلا ورجلا من الفريقين ، كل أناس قد التفوا على ملكهم .
فلما عبرت جيوش يوسف بن تاشفين عبر في آخرها وأمر بعبور الجمال ، فعبر منها ما أغصّ الجزيرة وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء ، ولم يكن أهل الجزيرة رأوا قط جملا ولا كانت خيلهم قد رأت صورها ولا سمعت أصواتها ، وكانت تذعر منها وتقلق ، وكان ليوسف بن تاشفين في عبورها رأي مصيب ، كان يحدق بها معسكره ، وكان يحضرها الحرب ، فكانت خيل الفرنج تحجم عنها . فلما تكاملت العساكر بالجزيرة قصدت الأذفونش ، وكان نازلا بمكان أفيح من الأرض يسمى الزلّاقة بالقرب من بطليوس - قال البياسي : بين المكانين أربعة فراسخ ؛ وقال أيضا : إن يوسف بن تاشفين قدم بين يدي حربه كتابا على مقتضى السنة يعرض عليه الدخول في الإسلام أو الحرب أو الجزية ، ومن فصول كتابه : وبلغنا يا أذفونش أنك دعوت في الاجتماع بك ، وتمنيت أن يكون لك فلك تعبر البحر عليها إلينا ، فقد أجزناه إليك ، وجمع اللّه في هذه العرصة بيننا وبينك ، وسترى عاقبة دعائك
وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ
( غافر : 50 ) . فلما سمع الأذفونش ما كتب إليه جاش بحر غيظه وزاد في طغيانه وأقسم أنه لا يبرح من موضعه حتى يلقاه .