عليّ كتابك ، فكتب الكاتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم من يوسف بن تاشفين ، سلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ، تحية من سالمكم ، وسلم إليكم ، وحكّمه التأييد والنصر فيما حكم عليكم ، وإنكم مما بأيديكم من الملك في أوسع إباحة ، مخصوصون منا بأكرم إيثار وسماحة ، فاستديموا وفاءنا بوفائكم ، واستصلحوا إخاءنا باصلاح إخائكم ، واللّه ولي التوفيق لنا ولكم ، والسلام » .
فلما فرغ من كتابه قرأه على يوسف بن تاشفين بلسانه فاستحسنه ، وقرن به يوسف بن تاشفين درقا لمطية مما لا يكون إلا في بلاده . - قلت : اللمطية ، بفتح اللام وسكون الميم وبعدها طاء مهملة ثم ياء مشددة مثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة ، هذه النسبة إلى لمطة ، وهي بليدة عند السوس الأقصى ، بينها وبين سجلماسة عشرون يوما ، قاله ابن حوقل في كتاب « المسالك والممالك » وهي معدن الدرق اللمطية ، ولا يوجد مثلها في الدنيا على ما يقال ، واللّه أعلم - قال : وأنفذ ذلك إليهم . فلما وصلهم كتابه أحبوه وعظموه وفرحوا بولايته ملك المغرب ، وتقوت نفوسهم على دفع الفرنج ، وأزمعوا إن رأوا من ملك الفرنج ما يريبهم أن يجيزوا إليه يوسف بن تاشفين ويكونوا من أعوانه على ملك الفرنج ، فتحصل ليوسف بن تاشفين برأي وزيره ما أراد من محبة أهل الأندلس له ، وكفاه الحرب لهم .
وإن الأذفونش بن فرذلند صاحب طليطلة قاعدة ملك الفرنج أخذ يجوس خلال الديار ويفتتح بلاد الأندلس ويشتط على ملوكهم بطلب البلاد منهم ، وخصوصا المعتمد بن عباد ، فإنه كان مقصودا فيه - وقد تقدم في ترجمة المعتمد ذكر تاريخ أخذه طليطلة والأبيات التي قيلت في ذلك - فنظر المعتمد في أمره فرأى أن الأذفونش قد داخله طمع فيما يلي بلاده ، فأجمع أمره على استدعاء يوسف بن تاشفين على العبور ، على ما فيه من الخطر ، وعلم أن مجاورة غير الجنس مؤذنة بالبوار ، وأن الفرنج والملثمين ضدان له ، إلا أنه قال : إن دهينا من مداخلة الأضداد لنا فأهون الأمرين أمر الملثمين ، ولأن يرعى أولادنا جمالهم أحبّ إليهم من أن يرعوا خنازير الفرنج ، ولم يزل هذا الرأي نصب عينيه مهما اضطر إليه .
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 115
مساهمون: ابن خلكان
ص١١٥