تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
عيشك ، وإنه لمتخيل في مثل حالك سائر ملوك الأندلس ، وإن له من الولد والأقارب ممن يؤثر مسراتهم من يودّ له الحلول بما أنت فيه من خصب الجناب ، وقد أودى الأذفونش وجيشه واستأصل شأفتهم وأعدمك منه أقوى ناصر عليه لو احتجت إليه ، فقد كان لك منه أقوى عضد وأوقى مجن ، وبعد أن فات الأمر في الأذفونش لا يفتك الحزم فيما هو ممكن اليوم ، قال له المعتمد : وما هو الحزم اليوم ؟ قال : ان تجمع أمرك على قبض ضيفك هذا واعتقاله في قصرك ، وتجزم انك لا تطلقه حتى يأمر كل من بجزيرة الأندلس من عسكره أن يرجع من حيث جاء حتى لا يبقى منهم بالجزيرة طفل ، ثم تتفق أنت وملوك الجزيرة على حراسة هذا البحر من سفينة تجري فيه بغزاة له ، ثم بعد ذلك تستحلفه بأغلظ الإيمان ألا يضمر في نفسه عودا إلى هذه الجزيرة إلا باتفاق منكم ومنه ، وتأخذ منه على ذلك رهائن ، فإنه يعطيك من ذلك ما تشاء ، فنفسه أعز عليه من جميع ما تلتمس منه ، فعند ذلك يقنع هذا الرجل ببلاده التي لا تصلح إلا له ، وتكون قد استرحت منه بعد ما استرحت من الأذفونش ، وتقيم في موضعك على خير حال ، ويرتفع ذكرك عند ملوك الأندلس وأهل الجزيرة ، ويتسع ملكك وتنسب بهذا الاتفاق لك إلى سعادة وحزم ، وتهابك الملوك ، ثم اعمل بعد هذا ما يقتضيه حزمك في محاورة من عاملته هذه المعاملة ، واعلم أنه قد تهيأ لك من هذا أمر سماوي تتفانى الأمم وتجري بحار الدم دون حصول مثله . فلما سمع المعتمد كلام الرجل استصوبه وجعل يفكر في انتهاز هذه الفرصة . وكان للمعتمد ندماء قد انهمكوا معه في اللذات ، فقال أحدهم لهذا الرجل الناصح : ما كان المعتمد على اللّه ، وهو إمام أهل المكرمات ، ممن يعامل بالحيف ويغدر بالضيف ، فقال له الرجل : إنما الغدر أخذ الحق من يد صاحبه لا دفع الرجل عن نفسه المحذور إذا ضاق به ؛ قال ذلك النديم : لضيم مع وفاء خير من حزم مع جفاء . ثم إن ذلك الناصح استدرك الأمر وتلافاه ، فشكر له المعتمد ووصله بصلة ، وانصرف . واتصل هذا الخبر بيوسف بن تاشفين فأصبح غاديا ، فقدم له المعتمد الهدايا السنية والتحف الفاخرة فقبلها ،
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 121 | ابن خلكان / إحسان عباس / إحسان عباس