يوصّل حبليه إذا جن ليله * ليرقى إلى جاراته بالسلالم
تدليت تزني من ثمانين قامة * وقصّرت عن باع العلا والمكارم
هو الرجس يا أهل المدينة فاحذروا * مداخل رجس بالخبيثات عالم
لقد كان إخراج الفرزدق عنكم * طهورا لما بين المصلّى ووأقم
فلما وقف الفرزدق على هذه القصيدة جاوبه بقصيدة طويلة يقول في جملتها :
وإن حراما أن أسب مقاعسا « 1 » * بآبائي الشمّ الكرام الخضارم
ولكنّ نصفا لو سببت وسبّني * بنو عبد شمس من مناف وهاشم
أولئك أمثالي فجئني بمثلهم * وأعبد أن أهجو كليبا بدارم « 2 »
ولمّا سمع أهل المدينة أبيات الفرزدق المذكورة أولا ، اجتمعوا وجاءوا إلى مروان بن الحكم الأموي ، وكان يومئذ والي المدينة من قبل معاوية بن أبي سفيان الأموي ، فقالوا له : ما يصلح أن يقال مثل هذا الشعر بين أزواج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد أوجب على نفسه الحد ، فقال مروان : لست أحدهّ أنا ، ولكن أكتب إلى من يحده ، ثم أمره بالخروج من المدينة وأجله ثلاثة أيام ، وفي ذلك يقول الفرزدق :
توعدني وأجلني ثلاثا * كما وعدت لمهلكها ثمود
ثم كتب مروان إلى عامله يأمره فيه أن يحده ويسجنه ، وأوهمه أنّه قد كتب له بجائزة ، ثم ندم مروان على ما فعل ، فوجه عنه سفيرا وقال : إني قلت شعرا فاسمعه ، ثم أنشده « 3 » :
قل للفرزدق والسفاهة كاسمها * إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس
هامش
( 1 ) ر : مقاصعا ؛ ق ن ص والمختار : مقاعصا ؛ ومقاعس : هو الحارث بن عمر بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم .
( 2 ) أعبد : آنف .
( 3 ) انظر معجم البلدان : ( الجلس ) وديوان الفرزدق 1 : 384 .