فخذي إيقاع الصوت حتى أخذته وأحكمته ، فلما كان السحر أتاني غلامي بدابتي فصرت من فوري إلى باب المأمون فقال لي أحمد بن هشام : بكرت ، ثم دخل فأعلمه فأذن لي فدخلت على المأمون فقال : أكلت ؟ فقلت : لا ، فدعا لي بالطعام ، وقد كان أكل وشرب ، فغنيته بشعر إبراهيم ولحنه وهو :
قالت نظرت إلى غيري فقلت لها * وماء الدمع من عينيّ محدور
نفسي فداؤك طرف العين مشترك * والقلب مني عليك الدهر مقصور
العين تنظر أحيانا وباطنه * مما يقاسي بظهر الغيب مستور
فطرب المأمون عليه وشرب ، فما لبثنا ساعة واحدة حتى استؤذن لإبراهيم ابن المهدي فأذن له فدخل فدعا له بالطعام وسقي ثم جلس فغنى هذا الشعر في هذا اللحن فقال المأمون : يا هذا أراك تسرق أشعار الناس وتدعيها لنفسك ، واحمرت عيناه وغضب غضبا شديدا وكاد يسطو بإبراهيم ، فقام إبراهيم على قدميه وقال : وقرابتك من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبيعتك في عنقي ما سبقني إليه أحد ، فقال المأمون : هذا [ أبو ] إسحاق بعينه ، وقال : يا أبا إسحاق غنه ، فغنيته فبقي إبراهيم مبهوتا لا يحير جوابا ، فلما رأيت المأمون على تلك الحال قلت : يا أمير المؤمنين الشعر واللحن له ولكن سرقته منه اللصوص ، وحدثته الحديث فسكن حينئذ وقال : يا أحمد بن هشام خذ من مال إبراهيم ثلاثين ألف درهم وادفعها إلى [ أبي ] إسحاق لتضييع إبراهيم سره ، فغدوت على إبراهيم فقلت :
أيها الأمير اقبلها مني ، واعتذرت إليه فقال : لا أقبل منك ما جاد به أمير المؤمنين لكن كدت واللّه يسفك دمي يا أبا إسحاق فلا تعد في المزاح إلى مثلها فإن الملوك تعفو عن الكثير وتقتل في اليسير .