فدنوت مختفيا ألمّ ببيتها * حتى ولجت إلى خفيّ المولج
فتناولت رأسي لتعرف مسّه * بمخضّب الأطراف غير مشنّج
قالت : وعيش أخي ونعمة والدي * لأنبهنّ القوم إن لم تخرج
فخرجت خيفة قولها فتبسّمت * فعلمت « 1 » أن يمينها لم تلجج
فلثمت فاها آخذا بقرونها * شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
قال هارون بن عبد اللّه القاضي : قدم جميل بن معمر مصر على عبد العزيز ابن مروان ممتدحا له ، فأذن له وسمع مدائحه وأحسن جائزته ، وسأله عن حبه بثينة فذكر وجدا كثيرا ، فوعده في أمرها وأمره بالمقام وأمر له بمنزل وما يصلحه ، فما أقام إلا قليلا حتى مات هناك في سنة اثنتين وثمانين .
وذكر الزبير بن بكار عن عباس بن سهل الساعدي قال : بينا أنا بالشام إذ لقيني رجل من أصحابي فقال : هل لك في جميل فإنه يعتلّ نعوده ؟ فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه ، فنظر إلي وقال : يا ابن سهل ، ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط ولم يزن ولم يقتل النفس ولم يسرق يشهد أن لا إله إلا اللّه ؟
قلت : أظنه قد نجا وأرجو له الجنة ، فمن هذا الرجل ؟ قال : أنا ، قلت له : واللّه ما أحسبك سلمت وأنت تشبّب منذ عشرين سنة ببثينة ، قال : لا نالتني شفاعة محمد صلى اللّه عليه وسلم وإني لفي أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا إن كنت وضعت يدي عليها لريبة ، فما برحنا حتى مات .
وقال محمد بن أحمد بن جعفر الأهوازي : مرض جميل بمصر مرضه الذي مات فيه ، رحمه اللّه تعالى ، فدخل عليه العباس بن سهل الساعدي ، وذكر هذه الحكاية ، واللّه أعلم بالصواب .
وذكر في « الأغاني » عن الأصمعي قال : حدثني رجل شهد جميلا لما حضرته الوفاة بمصر أنه دعا به فقال له : هل لك أن أعطيك كل ما أخلفه على أن تفعل شيئا أعهده إليك ؟ قال : فقلت : اللهم نعم ، فقال : إذا أنا متّ
هامش
( 1 ) ه : فعرفت .