لا يقدر « 1 » أن يقوم ، فغار الشعراء من ذلك ، فجمعهم ثم قال : يا معشر الشعراء عجبا لكم ! ما أشدّ حسدكم بعضكم بعضا ! إن أحدكم يأتينا ليمدحنا بقصيدة يشبب فيها بصديقته بخمسين بيتا ، فما يبلغنا حتى تذهب لذاذة مدحه ورونق شعره ، وقد أتانا أبو العتاهية فشبب بأبيات يسيرة ، ثم قال ، وأنشد الأبيات المذكورة : فما لكم منه تغارون ؟ وكان أبو العتاهية لما مدحه بهذه الأبيات تأخر عنه بره قليلا فكتب إليه يستبطئه « 2 » :
أصابت علينا جودك العين يا عمر * فنحن لها نبغي التّمائم والنّشر « 3 »
سنرقيك بالأشعار حتّى تملّها * وإن لم تفق منها رقيناك بالسّور
قال أشجع السلمي الشاعر المشهور : أذن الخليفة المهدي للناس في الدخول عليه فدخلنا ، فأمرنا بالجلوس ، فاتفق أن جلس بجنبي بشار بن برد وسكت المهدي فسكت الناس ، فسمع بشار حسّا فقال لي : من هذا ؟ فقلت :
أبو العتاهية ، فقال : أتراه ينشد في هذا المحفل ؟ فقلت : أحسبه سيفعل ، قال :
فأمره المهدي أن ينشد ، فأنشد « 4 » :
ألا ما لسيّدتي ما لها * أدلّت فأحمل إدلالها
قال : فنخسني بشار بمرفقه وقال : ويحك ! أرأيت أجسر من هذا ؟
ينشد مثل هذا الشعر في مثل هذا الموضع ، حتى بلغ إلى قوله :
أتته الخلافة منقادة * إليه تجرّره « 5 » أذيالها
فلم تك تصلح إلّا له * ولم يك يصلح إلّا لها
ولو رامها أحد غيره * لزلزلت الأرض زلزالها
هامش
( 1 ) د : لم يستطع .
( 2 ) ديوانه : 557 وأمالي القالي 1 : 243 .
( 3 ) النشر : الرقى .
( 4 ) ديوانه : 197 وفي الحاشية تخريج مستقصى .
( 5 ) أ : تجرجر .