أرى الناس خلّان الجواد ولا أرى * بخيلا له في العالمين خليل
وإني رأيت البخل يزري بأهله * فأكرمت نفسي أن يقال بخيل
ومن خير حالات الفتى لو علمته * إذا نال شيئا أن يكون ينيل
عطائي عطاء المكثرين تكرّما * ومالي كما قد تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى * ورأي أمير المؤمنين جميل
24 وكان كثير الكتب ، حتى قال أبو العباس ثعلب : رأيت لإسحاق الموصلي ألف جزء من لغات العرب ، وكلها بسماعه . وما رأيت اللغة في منزل أحد قط أكثر منها في منزل إسحاق ثم منزل ابن الأعرابي .
ونقلت من حكاياته أنه قال : كان لنا جار يعرف بأبي حفص ، وينبز باللوطي ، فمرض جار له فعاده ، فقال له : كيف تجدك ؟ أما تعرفني ؟ فقال له المريض بصوت ضعيف : بلى ، أنت أبو حفص اللوطي ، فقال له : تجاوزت حدّ المعرفة ، لا رفع اللّه جنبك .
وكان المعتصم يقول : ما غنّاني إسحاق بن إبراهيم قطّ إلا خيل لي أنه قد زيد في ملكي .
وأخباره كثيرة ، وكان قد عمي في أواخر عمره قبل موته بسنتين 25 .
ومولده في سنة خمسين ومائة ، وهي السنة التي ولد فيها الإمام الشافعي ، رضي اللّه عنه ، كما سيأتي في موضعه إن شاء اللّه تعالى .
وتوفي في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومائتين بعلة الذرب ، وقيل :
في شوال سنة ست وثلاثين ، والأول أشهر ، وقيل : توفي يوم الخميس بعد الظهر لخمس خلون من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ، رحمه اللّه تعالى .
ورثاه بعض أصحابه بقوله :
أصبح اللهو تحت عفر التراب * ثاويا في محلة الأحباب
إذ مضى الموصليّ وانقرض الأن * س ومجّت مشاهد الأطراب
بكت الملهيات حزنا عليه * وبكاه الهوى وصفو الشراب