وسبق أنْ أوضحنا أن الحيز الواحد لا يمكن أنْ يسع شيئين في وقت واحد فما بالك إنْ كانا متناقضين ؟ وقد مثَّلْنا هذه العملية بالزجاجة الفارغة إنْ أردتَ أن تملأها بالماء لا بُدَّ أنْ يخرج منها الهواء أولاً ليدخل مكانه الماء .
كذلك الحال في المعاني ، فلا يجتمع حق وباطل في قلب واحد أبداً ، وليس لك أنْ تجعل قلباً للحق وقلباً للباطل ؛ لأن الخالق جعل لك قلباً واحداً ، وجعله محدوداً لا يسع إلا إيمانك بربك ، فلا تزاحمه بشيء آخر .
ويُرْوَى أنه كان في العرب رجل اسمه جميل بن أسد الفهري وكان مشهوراً باللسَنِ والذكاء ، فكان يقول : إن لي قلبين ، أعقل بواحد منهما مثل ما يعقل محمد ، فشاء الله أنْ يراه أبو سفيان وهو منهزم بعد بدر ، فيقول له : يا جميل ، ما فعل القوم ؟ قال : منهم مقتول ومنهم هارب ، قال : وما لي أراك هكذا ؟ قال : مالي ؟ قال : نعل في كفِّك ، ونعل في رِجْلك ، قال : والله لقد ظننتهما في رجلي ، فضحك أبو سفيان وقال له : فأين قلباك ؟
وإذا كان القلب هو المضخة التي تضخ الدم إلى كل الجوارح والأعضاء حاملاً معه الغذاء والشفاء والعافية ، كذلك حين تستقر عقائد الخير في القلب ، يحملها الدم كذلك إلى الجوارح والأعضاء ،
تفسير الشعراوي — صفحة 11920
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٩٢٠