{ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى إِلاَّ مَا شَآءَ الله إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر وَمَا يخفى } [ الأعلى : 6 - 7 ] .
وقال سبحانه : { إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ } [ الأنبياء : 110 ] فقدَّم العلم بالجهر على العلم بالسرِّ ، ولا يقدم الجهر إلا إذا كان له ملحظية خفاء عن السر ، وهذه الملحظية غفل عنها السطحيون ، فأخطأوا في فهم الآية .
فأنت مثلاً لو أسررتَ في نفسك شيئاً ، فربما ظهر في سقطات لسانك أو على ملامح وجهك ، وربما خانك التعبير فدلَّ على ما أسررتْه ، ألم يقل الحق سبحانه وتعالى : { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول . . . } [ محمد : 30 ] .
إذن : هناك قرائن وعلامات نعرف بها السر ، أما الجهر وهو من الجماعة ليس جهراً واحداً ؛ لأنه مقابل بالجمع : { إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ } [ الأنبياء : 110 ] فالمعنى : ويعلم ما تجهرون وما تكتمون .
ولك أن تتابع مظاهرة لجمع غفير من الناس ، يهتف كل منهم هتافاً ، أتستطيع أن تميز بين هذه الهتافات ، وأنْ تُرجع كلاً منها إلى صاحبها ؟ هذا هو اللغز في الجهر والملحظ الذي فاتهم تدبُّره ، لذلك امتن الله علينا بعلمه للجهر من القول الذي لا نعلمه نحن مهما أوتينا من آلات فَرْز الأصوات وتمييزها .
لذلك يقولون : لا تستطيع أنْ تُحدِّد جريمة في جمهور من الناس ؛ لأن الأصوات والأفعال مختلطة ، يستتر كلٌّ منها في الآخر كما يقولون : الفرد بالجمع يُعْصَم .
تفسير الشعراوي — صفحة 10996
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٩٩٦