فقال للذين لا يؤمنون بقدر الله :
أيَا هَازئاً من صُنُوف القَدَرِ . . . بنفسِكَ تعنف لاَ بالقَدرْ
وَيَا ضَارِباً صَخْرةً بِالعصَا . . . ضربتَ العَصَا أَمْ ضربْتَ الحجَرْ
فالحق سبحانه يضرب المثل ليُشعركم به ، وتُحسون به حِسَّ الألم من الضرب ، فإذا لم يحسّ الإنسان بضرب المثل فهو كالذي لا يحسُّ بالضرب الحقيقي المادي ، وهذا والعياذ بالله عديم الإحساس أو مشلول الحسِّ .
فالمعنى : { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ . . . } [ الروم : 58 ] يعني : أتيناهم بأمثال ودلائل لا يمكن لأحد إلا أنْ يستقبلها كما يستقبل الضرب ؛ لأن الضرب آخر مرحلة من مراحل الإدراك .
وسبق أنْ قلنا : إن الحق سبحانه ضرب المثل لنفسه سبحانه في قوله : { الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح . . . } [ النور : 35 ] .
والمثل هنا ليس لنوره تعالى كما يظن البعض ، إنما مَثَلٌ لتنويره للكون الواسع ، وهو سبحانه يُنوِّرك حِسِّياً بالشمس وبالقمر وبالنجوم ، ويُنوِّرك معنوياً بالمنهج وبالقيم .
ففائدة النور الحسي أن يزيل الظلمة ، وأنْ تسير على هُدى وعلى بصيرة فتسلم خطاك واتجاهك من أنْ تحطم ما هو أقلّ منك أو يحطمك ما هو أقوى منك ، والمحصلة ألاَّ تضر الأضعف منك ، وألاَّ يضرك الأقوى منك .
كذلك النور المعنوي ، وهو نور القيم والمنهج يمنعك أنْ تضرَّ غيرك ، ويمنع غيرك أنْ يضرَّك ، وكما ينجيك النور الحسي من
تفسير الشعراوي — صفحة 11550
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٥٥٠