وقد رتب سيدنا زكريا مظاهر الضعف بحسب الأهمية ، فقال أولاً { وَهَنَ العظم مِنِّي . . . } [ مريم : 4 ] ثم { واشتعل الرأس شَيْباً . . . } [ مريم : 4 ] ومع كِبَر سيدنا زكريا وضعفه ، ومع أن امرأته كانت عاقراً إلا أن الله تعالى استجاب له في طلبه للولد الذي يرث عنه النبوة ، فبشَّره بولد وسمَّاه يحيى ، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لنا : إياكم ، ألا أستطيع أنْ أخلق مع الشيب والكبر والضعف ؟ لذلك قال بعدها : { يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ . . . } [ الروم : 54 ] .
وقال في شأن زكريا عليه السلام : { قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً }
[ مريم : 9 ] .
وقوله تعالى : { وَهُوَ العليم القدير } [ الروم : 54 ] أي : أن هذا الخَلْق ناشيء عن علم { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير } [ الملك : 14 ] لكن العلم وحده لا يكفي ، فقد تكون عالماً لكنك غير قادر على تنفيذ ما تعلم ، كمهندس الكهرباء ، لديه علم واسع عنها ، لكنه لا يستطيع تنفيذ شبكة أو معمل كهرباء ، فيذهب إلى أحد الممولين ليعينه على التنفيذ ؛ لذلك وصف الحق سبحانه نفسه بالعلم والقدرة .
إذن : هذا هو الدليل النفسي على الموجد الحق الفاعل المختار الذي يفعل الأشياء بعلم وقدرة ، ولا يكلفه العمل شيئاً ولا يستغرق وقتاً ؛ لأنه سبحانه يقول للشيء : كن فيكون ، ولا تتعجب أن ربك يقول للشيء كُنْ فيكون ؛ لأنك أيها المخلوق الضعيف تفعل هذا مع أعضائك وجوارحك .
وإلاَّ فقُلْ لي : ماذا تفعل إنْ أردتَ أنْ تقوم مثلاً أو تحمل شيئاً مجرد أن تريد الحركة تجد أعضاءك طوع إرادتك ، ودون أنْ تدري بما يحدث بداخلك من انفعالات وحركات ، وإنْ قُلت فأنا كبير وأستطيع أداء هذه الحركات كما أريد ، فما بالك بالطفل الصغير ؟
تفسير الشعراوي — صفحة 11532
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٥٣٢