وهو غَيْب ، مثل للذين قالوا لنبيهم { أَرِنَا الله جَهْرَةً . . . } [ النساء : 153 ] .
لكن كيف يرونه والعظمة في الإله ألاَّ يُرى ، ولا تدركه الحواس ، والحق سبحانه يعطينا الدليل في أنفسنا { وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } [ الذاريات : 21 ] فتأمل في أقرب شيء إليك في نفسك ، لا في الآفاق من حولك ، أليست فيك روح تُحرِّك جسمك ، وبها تحيا وتنفعل أعضاؤك ، أليست فيك روح تُحرِّك جسمك ، وبها تحيا وتنفعل أعضاؤك ، بدليل إذا خرجتْ منك هذه الروح تصير جثة هامدة ؟ أرأيت هذه الروح وهي بين جنبيك ؟ أأدركتها بأيِّ حاسة من حواسك ؟
إذن : هي معك ، لكن ليست تحت إدراكك ، وهي خَلْق بسيط من خَلْق الله ، فكيف تتطلع إلى أن ترى الخالق سبحانه وأنت لا تقدر على رؤية المخلوق ؟ لكن إن قُلْت : فرؤية المؤمنين لله في الآخرة ؟ ففي الآخرة يخلقني الله خَلْقاً آخر أستطيع أن أراه سبحانه ، حيث سيكون للخَلْق معايير أخرى ، ألستَ تأكل وتشرب في الآخرة ، ومع ذلك لا تتغوَّط في الجنة ؟
لذلك لما سأل حاكم الروم أحد علماء المسلمين : كيف تأكلون وتشربون في الجنة ولا تتغوطون ؟ فقال له : وما العجيب في ذلك ؟ ألم تر إلى الطفل في بطن أمه يتغذى وينمو وهو لا يتغوط ، ولو تغوَّط في مشيمته لاحترق .
ثم سأله : وتقولون إن نعيم الجنة تأخذون منه ولا ينتهي ولا ينقص ؟ فقال : هَبْ أن لك مصباحاً ، وجاءت الدنيا كلها ، وقبستْ من مصباحك ناراً ، أينقص منه شيء ؟
تفسير الشعراوي — صفحة 11293
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٢٩٣