قبل الإسلام حين فزّعه أبرهة ، وفي العصر الحديث لما فزَّعه ( جهيمان ) ، وعلى مَرِّ العصور حدثتْ تجاوزات في الحرم تتناقض في ظاهرها مع هذا الأمن .
ونقول : كلمة { حَرَماً آمِناً . . . . } [ العنكبوت : 67 ] في القرآن بالنسبة للكعبة فيها ثلاث إطلاقات : فالذين يعيشون فيه وقت نزول هذه الآيات يروْنَ أنه حرم آمن ، وهذا الأمن موهوب لهم منذ دعوة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - .
فحين دعا ربه : { رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم . . . . } [ إبراهيم : 37 ] كان مكاناً خالياً ، لا حياة فيه وغير مسكون ، ومعنى ذلك أنه لم تكُنْ به مُقوِّمات الحياة ، فالإنسان لا يبني ولا يستقر إلا حيث يجد مكاناً يأمن فيه على نفسه ، ويتوفر له فيه كل مُقوِّمات حياته .
لذلك دعا إبراهيم ربه أنْ يجعل هذا المكان بلداً آمناً يعني يصلح لأنْ يكون بلداً ، فقال : { رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً } [ البقرة : 126 ] .
وبلد هنا نكرة تعني : أيْ بلد لمؤمنين أو لكافرين ، فلما استجاب الله له ، وجعلها بلداً كأيِّ بلد تتوفر له مُقوِّمات الحياة دعا مرة أخرى : { رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً . . . } [ إبراهيم : 35 ] أي : هذه التي صارت بلداً أريد لها مَيْزة على كل البلاد ، وأمناً أزيد من أمن أيّ بلد آخر ، أمناً خاصاً بها ، لا الأمن العام الذي تشترك فيه كل البلاد ، لماذا ؟ لأن فيها بيتك .
لذلك يرى فيها الإنسان قاتلَ أبيه ، ولا يتعرَّض له حتى يخرج ، فالجاني مؤمَّن إنْ دخل الحرم ، لكن يُضيق عليه أسباب الحياة حتى يخرج ، حتى لا يجترئ الناس على بيت الله ويفسدون أمنه ، ومن هذا
تفسير الشعراوي — صفحة 11271
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٢٧١