والقرآن أيضاً كتاب يهيمن على كل الكتب السابقة عليه ، يُبقي منها ما يشاء من الأحكام ، ويُنهِي ما يشاء . أما العقائد فهي ثابتة لا نسخَ فيها ، وأيضاً لا نسخَ في القصص والأخبار .
والنسْخ لا يتأتى إلا في التشريع بالأحكام افعل ولا تفعل ، ذلك لأن التشريع يأتي مناسباً لأدواء البيئات المختلفة .
لذلك كان بعض الرسل يتعاصرون كإبراهيم ولوط ، وموسى وشعيب ، عليهم السلام ، ولكل منهم رسالته ؛ لأنه متوجه إلى مكان بعينه ليعالج فيه داءً من الداءات ، في زمن انقطعت فيه سُبُل الالتقاء بين البيئات المختلفة ، فالجماعة في مكان ربما لا يَدْرون بغيرهم في بيئة مجاورة .
أما محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقد جاء - كما يعلم ربه أَزَلاً - على موعد مع التقاء البيئات وتداخُل الحضارات ، فالحدث يتم في آخر الدنيا ، نعلم به ، بل ، ونشاهده في التوِّ واللحظة ، وكأنه في بلادنا . إذن : فالداءات ستتحد أيضاً ، وما دامت داءات الأمم المختلفة قد اتحدتْ فيكفي لها رسول واحد يعالجها ، ويكون رسولاً لكل البشر .
ثم يقول سبحانه : { فالذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب . . . } [ العنكبوت : 47 ] أي : من قبلك { يُؤْمِنُونَ بِهِ . . . } [ العنكبوت : 47 ] لأنه لا سلطة زمنية تعزلهم عن الكتاب الجديد ، فينظرون في أوصاف النبي الجديد التي وردتْ في كتبهم ثم يطابقونها على أوصاف رسول الله ؛ لذلك لما بلغ سلمان الفارسي أن بمكة نبياً جديداً ، ذهب إلى سيدنا رسول الله ،
تفسير الشعراوي — صفحة 11215
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٢١٥