تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11169

مساهمون:

ص١١١٦٩
الإنسان ، حيث خلقه الله من ماء وتراب فكان طيناً ، ثم جفَّ بالحرارة حتى صار صلصالاً كالفخار ، ثم هو بعد ذلك يتنفس الهواء ، فبنفس هذه العناصر التي كان منها الخَلْق يكون بها الهلاك . والحق - سبحانه وتعالى - يريد من خَلْقه أنْ يُقبلوا على الكون في كل مظاهره وآياته بيقظة ليستنبطوا ما فيه من مواطن العبر والأسرار ؛ لذلك نجد أن كل الاكتشافات جاءت ، نتيجة دِقَّة الملاحظة لظواهر الكون . ويلفتنا ربنا إلى أهمية العلم التجريبي ، فيقول : { وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } [ يوسف : 105 ] فينبغي إذن أن نتأمل فيما نرى وما توصَّل الإنسان إلى عصر البخار وإلى قانون الطَّفْو عند أرشميدس ، وما توصل إلى الكهرباء والجاذبية والبنسلين إلا بالتأمل الدقيق لظواهر الأشياء ، لذلك فالملاحظة هي أساس كل علم تجريبي أولاً ، ثم التجريب ثانياً ، ثم إعادة التجريب لتخرج النتيجة العلمية . والهواء سبب أساسي في حياة الإنسان ، وبه يحدث التوازن في الكون ، لكن إنْ أراد الحق سبحانه جعله زوبعة أو إعصاراً مدمراً . وسبق أن قلنا : إنك تصبر على الطعام شهراً ، وعلى الماء عشرة أيام ، لكن لا تصبر على الهواء إلا بمقدار شهيق وزفير ، فالهواء إذن أهم سبب من أسباب بقاء الحياة ؛ لذلك نسمعهم يقولون في شدة الكيد : ( والله لأكتم أنفاسه ) لأنها السبيل المباشر إلى الموت ؛ لذلك فالهواء عامل أساسي في وسائل الإهلاك المذكورة . وبالهواء تحفظ الأشياء توازنها ، فالجبال العالية والعمارات الشاهقة ما قامت بقوة المسلحات والخرسانات ، إنما بتوازن الهواء ، بدليل أنك