تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11104

مساهمون:

ص١١١٠٤
{ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعبدوا الله واتقوه . . . } [ العنكبوت : 16 ] وقلنا : العبادة أنْ يطيع العابدُ المعبودَ في أوامره ونواهيه ، إذن : لو جاء مَنْ يدَّعي الألوهية ، وليس له أمر نؤديه ، أو نهي نمتنع عنه فلا يصلح إلهاً . لذلك كذب الذين قالوا : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى . . . } [ الزمر : 3 ] لأنهم ما عبدوا الأصنام إلا لأنها ليست لها أوامر ولا نواه ، فألوهيتهم ( منظرية ) بلا تكليف ، فأول الأدلة على بطلان عبادة هذه الآلهة المدَّعاة أنها آلهة بلا منهج . ثم عطف الأمر { واتقوه . . . } [ العنكبوت : 16 ] على { اعبدوا . . . } [ العنكبوت : 16 ] والتقوى من معانيها أنْ تطيع الأوامر ، وتجتنب النواهي ، فهي مرادفة للعبادة ، لكن إنْ عطفت على العبادة فتعني : نفِّذوا الأمر لتتقوا غضب الله ، اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال وقاية . وسبق أنْ قلنا : إن لله تعالى صفات جلال : كالقهار ، الجبار ، المنتقم ، المذلّ . . إلخ . وصفات جمال : كالغفار ، الرحمن ، الرحيم ، التواب ، وبالتقوى تنال متعلقات صفات الجمال ، وتمنع نفسك وتحميها من متعلقات صفات الجلال . وقوله تعالى : { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ العنكبوت : 16 ] ذلكم ، أي ما تقدَّم من الأمر بالعبادة والتقوى خير لكم ، فإنْ لم تعلموا هذه القضية فلا خيرَ في علمكم ، كما قال تعالى : { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا . . . } [ الروم : 6 - 7 ] . فالعلم الحقيقي هو العلم بقضايا الآخرة ، العلم بالأحكام وبالمنهج الذي يعطيك الخير الحقيقي طويل الأمد على خلاف علم الدنيا فإنْ نلتَ منه خيراً ، فهو خير موقوت بعمرك فيها .