تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 10226

مساهمون:

ص١٠٢٢٦
إذن : للشيطان في إغواء الإنسان منهج وخُطّة مرسومة ، فهو يأتي الإنسان من جهاته الأربع : من أمامه ، ومن خلفه ، وعن يمينه ، وعن شماله . لكن لم يذكر شيئاً عن أعلى وأسفل ؛ لأن الأولى تشير إلى عُلُوِّ الربوبية ، والأخرى إلى ذُلِّ العبودية ، حين ترفع يديك إلى أعلى بالدعاء ، وحين تضع جبتهك على الأرض في سجودك ؛ لذلك لا يأتيك عدوك من هاتين الناحيتين . ثم يقول تعالى : { وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً ولكن الله يُزَكِّي مَن يَشَآءُ . . } [ النور : 21 ] . قلنا : إن فضل الجزاء يتناوبه أمران : جزاء بالعدل حين تأخذ ما تستحقه ، وجزاء بالفضل حينما يعطيك ربك فوق ما تستحق ؛ لذلك ينبغي أن نقول في الدعاء : اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل ؛ وبالإحسان لا بالميزان ، وبالجبر لا بالحساب . فإنْ عاملنا ربنا - عَزَّ وَجَلَّ - بالعدل لَضِعْنا جميعاً . لكن ، في أيِّ شيء ظهر هذا الفضل ؟ ظهر فضل الله على هذه الأمة في أنه تعالى لم يُعذِّبها بالاستئصال ، كما أخذ الأمم السابقة ، وظهر فَضْل الله على هذه الأمة في أنه تعالى أعطاها المناعة قبل أن تتعرَّض للحَدث ، وحذرنا قديماً من الشيطان قبل أن نقع في المعصية ، وقبل أن تفاجئنا الأحداث ، فقال سبحانه : { فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ . . } [ طه : 117 ] وإلا لغرق الإنسان في دوامة المعاصي . لأن التنبيه للخطر قبل وقوعه يُربِّي المناعة في النفس ، فلم يتركنا ربنا - عَزَّ وَجَلَّ - في غفلة إلى أنْ تقعَ في المعصية ، كما نُحصِّن نحن أنفسنا ضد الأمراض لنأخذ المناعة اللازمة لمقاومتها .