وسبق أنْ مثَّلنا لذلك - ولله المثل الأعلى : هَبْ أننا نجلس في حجرة مغلقة ودَقَّ جرس الباب ، لا شكَّ أننا سنتفق جميعاً على أن طارقاً بالباب ، وهذا يسمى « تعقل » ، لكنا سنختلف في التصوُّر : أهو رجل ؟ أم امرأة ؟ أم طفل ، أهو بشير أم نذير ؟ . . . . الخ .
إذن : نتفق حين نقف عند التعقُّل ، لكن كيف نعرف مَنْ بالباب ؟ نجعله هو يخبر عن نفسه حين نقول : مَنِ الطارق ؟ يقول : أنا فلان ، وجئتُ لكذا وكذا . فمَنِ الذي يبلغ عن التعقل ؟ صاحبه .
وكذلك عقلك يؤمن بأن الكون له خالق واحد تدلُّ عليه آيات الكون ، فأنتَ لو نظرتَ إلى لمبة الكهرباء هذه التي تنير غرفة واحدة ، وتأملَ لوجدتَ وراءها مصانع وعدداً وآلات وعمالاً ومهندسين ومخترعين ، ومع ذلك لها قدرة محدودة ، ولهّا عمر افتراضي وربما كسرت لأيِّ سبب وطفئتْ .
أفلا تنظر كذلك إلى الشمس وتتأمل ما فيها من آيات وعجائب ، وكيف أنها تنير نصف الكرة الأرضية في وقت واحد دون أنْ تتعطلَ ودون أنْ تحتاج إلى صيانة أو قطعة غيار ، ومع ذلك لم يدَّعها أحد لنفسه ، أفلاَ يدل ذلك على أن وراء هذا الخَلْق العظيم خالقاً أعظم ؟
إذا كنا نُؤرِّخ لمكتشف الكهرباء ومخترع المصباح الكهربائي ، ونذكر ماذا صنع ؟ وكيف توصّل إلى ما توصّل إليه ، أليس يجدر بنا أنْ نبحث في خالق هذا الكون العجيب ؟
إنك لو حاولتَ أنْ تنظر إلى قرص الشمس أثناء النهار ، فإنَّ نظرك يكلُّ ولا تستطيع ، وإذا اشتدت حرارتها لا يطيقها أحد ، مع أن بينك وبين الشمس ثماني دقائق ضوئية ، كل ثانية فيها ثلاثمائة ألف كيلومتر ، فأيّ طاقة هذه التي تنبعث من الشمس ؟
تفسير الشعراوي — صفحة 10033
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٠٣٣