إن الشيطان لو لم يُلْق العراقيل في سبيل سماع القرآن ويُشكّك فيه لآمن به كل مَنْ سمعه ؛ لأن للقرآن حلاوةً لا تُقَاوم ، وأثراً ينفذ إلى القلوب مباشرة .
ومع ذلك لم يَفُتّ ما ألقى الشيطان في عَضُد القرآن ، ولا في عَضُد الدعوة ، فأخذت تزداد يوماً بعد يوم ، ويزداد عدد المؤمنين بالقرآن المصدِّقين به ، المهم أن نتنبه : كيف نستقبل القرآن ، وكيف نتلقاه ، لا بد أن نستقبله استقبالَ الخالي من هوى ، فالذي يفسد الأحكام أنْ تُستقبل وتدخل على هوى سابق .
وسبق أن قلنا : إن الحيز الواحد لا يسع شيئين في وقت واحد ، لا بُدَّ أنْ تُخرِج أحدهما لتُدخِل الآخر ، فعليك - إذن - أنْ تُخلِي عقلك وفكرك تماماً ، ثم تستقبل كلام الله ، وابحث فيه كما شئت ، فسوف تنتهي إلى الإيمان به شريطة أنْ تُصفِّي له قلبك ، فلا تُبق في ذِهْنِك ما يُعكِّر صَفْو الفطرة التي خلقها الله فيك ، عندها سيأخذ القرآن طريقه إلى قلبك ، فإذا أُشْرِب قلبُك حُبَّ القرآن ، فلا يزحزحه بعد ذلك شيء .
ولنا في إسلام سيدنا عمر مثالٌ وعِظَة ، فلما سمع القرآن من أخته لأول مرة ، وقد أغلق قلبه على كفره لم يتأثر به ، وضربها حتى أَدْمى وجهها ، وعندها رَقَّ قلبه ، وتحركت عاطفته نحو أخته ، وكأن عاطفة الحب زحزحتْ عاطفة العداوة ، وكشفت عن صفاء طَبْعه ، فلما سمع القرآن بعدها آمن به على الفور .
تفسير الشعراوي — صفحة 9877
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٨٧٧