هناك فَرْق بين مَنْ يعبد الله في خَلْوته ، ومَنْ يعبد الله في جَلْوته .
لذلك سيدنا عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال عن الرجل الذي لازم المسجد للعبادة وعرف أن أخاه يتكفّل به ويُنفق عليه ، قال : أخوه أعبد منه . كيف ؟
قالوا : لأنك تستطيع أنْ تجعل من كل حركة لك في الحياة عبادة ، حين تُخِلص النية فيها لله عَزَّ وَجَلَّ . ولك أن تقارن بين مؤمن وكافر ، كلاهما يعمل ويجتهد لِيقُوتَ نفسه وأهل بيته ، ويحيا الحياة الكريمة ، وهذا هدف الجميع من العمل ، لكن لو أن المؤمن اقتصر في عمله على هذا الهدف لاستوى مع الكافر تماماً .
إنما للمؤمن فوق هذا مقاصد أخرى تكمن في نيته وضميره ، المؤمن يفعل على قَدْر طاقته ، لا على قَدْر حاجته ، ثم يأخذ ما يحتاج إليه ويُنفِق من الباقي ويتصدَّق على مَنْ لا يقدر على الحركة الحياتية .
لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى : { قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ } [ المؤمنون : 1 - 4 ] هل يعني : مُؤدُّون فقط ؟ لا ، بل إن المؤمن يتحرك ويعمل ويسعى ، وفي نيته مَنْ لا يقدر على السَّعْي والعمل ، فكأنه يُقبل على العمل ويجتهد فيه ، وفي نيته أنْ يعمل شيئاً لله بما يفيض عن حاجته من ناتج عمله وهذا ما يُميِّز المؤمن في حركة الحياة عن الكافر .
وأذكر مرة أننا جئنا من الريف في الشتاء في الثلاثينيات لزيارة سيدنا الشيخ الحافظ التيجاني ، وكان مريضاً - رَحِمَهُ اللَّهُ ورَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وكان يسكن في حارة ، وفضَّلنا أن نأخذ ( تاكسي ) يُوصِّلنا بدل أن نمشي في وَحْل الشتاء ، وعند مدخل الحارة رفض سائق (
تفسير الشعراوي — صفحة 9842
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٨٤٢