مأخوذة من حنيف الرِّجل يعني : تقوُّسها وعدم استقامتها ، فيقال : فيه حَنَف أي : ميْل عن الاستقامة ، وليس الوصف هنا بأنهم مُعْوجون ، إنما المراد أن الاعوجاج عن الاعوجاج استقامة .
لذلك وُصِف إبراهيم - عليه السلام - بأنه { كَانَ حَنِيفاً . . } [ آل عمران : 67 ] يعني : مائلاً عن عبادة الأصنام .
وقلنا : إن السماء لا تتدخَّل برسالة جديدة إلا حين يَعمُّ الفسادُ القومَ ، ويستشري بينهم الضلال ، وتنعدم أسباب الهداية ، حيث لا واعظَ للإنسان لا من نفسه وضميره ، ولا من دينه ، ولا من مجتمعه وبيئته ؛ ذلك لأن في النفس البشرية مناعةً للحق طبيعية ، لكن تطمسها الشهوات ، فإذا عُدِم هذا الواعظ وهذه المناعة في المجتمع تدخَّلَتْ السماء بنبي جديد ، ورسالة جديدة ، وإنذار جديد ؛ لأن الفساد عَمَّ الجميع ، ولم يَعُدْ أحد يعِظُ الآخر ويهديه .
وهذا المعنى الذي قال الله فيه : { كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } [ المائدة : 79 ]
ومن هنا شهد الله لأمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنها خير أمة أُخرِجَتْ للناس ؛ لأن المناعة للحق فيها قائمة ، ولها واعظ من نفسها يأمر بالخير ، ويأخذ على يد المنحرف حتى يستقيم ؛ لذلك قال فيها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : « الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة » .
والمعنى : الخير فِيَّ حصراً وفي أمتي نَثْراً ، فرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جمع خصال الخير كله ، وخَصه الله بالكمال ، لكن مَنْ يُطيق الكمال
تفسير الشعراوي — صفحة 9802
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٨٠٢