{ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ . . } [ الحج : 30 ] فالحق - سبحانه - يريد لعبده أنْ يلتزمَ أوامره بفعل الأمر واجتناب النهي ، فكُلُّ أمر لله يَحرُم عليك أن تتركه ، وكلّ نَهْي يحرم عليك أنْ تأتيه ، فهذه هي حرمات الله التي ينبغي عليك تعظيمها بطاعة الأمر واجتناب النهي .
وحين تُعظِّم هذه الحرمات لا تُعظمها لذاتها ، فليس هناك شيء له حُرْمة في ذاته ، إنما تُعظِّمها لأنها حرمات الله وأومره ؛ لذلك قد يجعل الالتزام بها مُتغيّراً ، وقد يطرأ عليك ما يبدو متناقضاً في الظاهر .
فالوضوء مثلاً ، البعض يرى فيه نظافة للبدن ، فإذا انقطع الماء وعُدِم وجوده حَلَّ محلّه التيمُم بالتراب الطاهر الذي نُغبِّر به أعضاء التيمم ، إذن : ليس في الأمر نظافة ، إنما هو الالتزام والانقياد واستحضار أنك مُقْبل على أمر غير عادي يجب عليك أنْ تتطَّهر له بالوضوء ، فإنْ أمرتُكَ بالتيمم فعليك الالتزام دون البحث في أسباب الأمر وعِلّته .
وهكذا يكون الأدب مع الأوامر وتعظيمها ؛ لأنها من الله ، ولِمَ لا ونحن نرى مثل هذا الالتزام أو رياضة التأديب في الالتزام في تعاملاتنا الطبيعية الحياتية ، فمثلاً الجندي حين يُجنَّد يتعلم أول ما يتعلم الانضباط قبل أنْ يُمسِك سلاحاً أوْ يتدرب عليه ، يتعلم أن كلمة « ثابت » معناها عدم الحركة مهما كانت الظروف فلو لَدغه عقرب لا يتحرك .
ويدخل المدرب على الجنود في صالة الطعام فيقول : ثابت فينفذ الجميع . . الملعقة التي في الطبق تظل في الطبق ، والملعقة التي في
تفسير الشعراوي — صفحة 9797
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٧٩٧