حتى في أمثال أهل الريف يقولون : ( تيجي في بيت العالم وتسكر ) يعني : السُّكْر يُتصوَّر في بيت أحد العصاة ، في بيت فاسق ، في خمارة ، لكن في بيت عالم ، فهذا شيء كبير ، وجرأة عظيمة . لماذا ؟
فللمكان حُرْمة بحُرمة صاحبة ، فإذا كان للمكان حُرْمة بحُرْمة صاحبه ، والبيت منسوب إلى الله ، فأنت تعصي ربك في عُقْر داره ، وأيْ جرأة أعظم من الجرأة على الله ؟
وهذه خاصية للمسجد الحرام ، فكُلُّ المساجد في أي مكان بيوت الله ، لكن هناك فَرْق بين بيت الله باختيار الله ، وبيت الله باختيار عباد الله ؛ لذلك جُعل بيتُ الله باختيار الله ( البيت الحرام ) هو القِبْلة التي تتجه إليها كل بيوت الله في الأرض .
فما عاقبة الإلحاد في بيت الله ؟ { نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الحج : 25 ] إنهم سيذوقون العذاب بأمر من الحق دائماً وأبداً ، والإذاقة أشد الإدراكات تأثيراً ، وذلك هو العذاب المهين ، والذوق هو الإحساس بالمطعوم شراباً كان أو طعاماً ، إلا أنه تعدى كل مُحسٍّ به ، ولو لم يكن مطعوماً أو مشروباً ، ويقول ربنا عَزَّ وَجَلَّ : { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم } [ الدخان : 49 ] .
أي : ذق الإهانة والمذلة ، لا مما يُطعم أو مما يُشرب ، ولكن بالإحساس ، فالإذاقة تتعدى إلى كل البدن ، فالأنامل تذوق ، والرِّجْل تذوق ، والصدر يذوق ، والرقبة تذوق . وهذا اللون من إذاقة الذل والإهانة في الدنيا لهؤلاء مجرد نموذج بسيط لشدة عقاب الله .
وعذاب الآخرة سيكون مهولاً ، والعذاب هو إيلام الحس . إذا أحببت أن تديم ألمه ، فأبْقِ فيه آلة الإحساس بالألم .
تفسير الشعراوي — صفحة 9774
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٧٧٤