فهل أحسستَ بانتقال الأسلوب من نثر إلى شعر ، أو من شعر إلى نثر ؟ ومع ذلك لو وزنتَ
{ فذلكن الذي لُمْتُنَّنِي فِيهِ } [ يوسف : 32 ] لوجدتَ لها وزناً شِعْرياً .
وقوله تعالى : { نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم } [ الحجر : 49 ] .
لو أردتها بيتاً شعرياً تقول ( نبىء عبادي إني أنا الغفور الرحيم ) . ومع ذلك تقرأها في سياقها ، فلا تشعر أنها شعر ؛ لأن الأسلوب فريد من نوعه ، وهذه من عظمة القرآن الكريم ، كلام فَذٌّ لوحده غير كلام البشر .
أما قولهم « مجنون » فالمجنون لا يدري ما يفعل ، ولا يعقل تصرفاته ولا يسأل عنها ، ولا نستطيع أنْ نتهمه بشيء فنقول عنه مثلاً ؛ كذاب أو قبيح ؛ لأن آلة الاختيار عنده مُعطّلة ، وليس لديه انسجام في التصرفات ، فيمكن أن يضحك في وجهك ، ثم يضربك في نفس الوقت ، يمكن أن يعطيك شيئاً ثم يتفل في وجهك .
والمجنون ليس له خُلق ، والحق سبحانه يخاطب رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : { ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [ القلم : 14 ] .
والخُلق هو المَلَكة المستقرة للخير ، فكيف يكون محمد مجنوناً ، وهو على خلق عظيم ؟ ثم هل جرَّبْتُم عليه شيئاً مما يفعله المجانين .
أما قولهم : إن رسول الله افترى هذا القرآن ، كيف وأنتم لم تسمعوا منه قبل البعثة شِعْراً أو خطباً ولم يسبق أن قال شيئاً مثل هذا ؟ كيف يفتري مثل هذا الأسلوب المعجز ، وليس عنده صنعة الكلام ؟ وإن كان محمد قد افترى القرآن فلماذا لا تفترون أنتم مثله وتعارضونه ؟
تفسير الشعراوي — صفحة 9449
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٤٤٩