وُداً : مودة ومحبة تقوم على الإيمان ، وتقود إلى شدة التعلّق ، وقد جعل الحق تبارك وتعالى كَوْنه أسباباً لهذه المحبة والمودة ، كأنْ ترى إنساناً يُحبك ويتودّد إليك ، فساعةَ تراه مُقبلاً عليك تقوم له وتبشُّ في وجهه ، وتُفسِح له في المجلس ، ثم تسأل عنه إنْ غاب ، وتعوده إنْ مرض ، وتشاركه الأفراح وتواسيه في الأحزان وتؤازره عند الشدائد ، فهذه المودة ناشئة عن حُبٍّ ومودة سابقة .
وقد تنشأ المودة بسبب القرابة أو المصالح المتبادلة أو الصداقة ، فهذه أسباب المودة في الدنيا بين الخَلْق جميعاً مؤمنهم وكافرهم ، أمّا هنا : { سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً } [ مريم : 96 ] .
أي : بدون سبب من أسباب المودة هذه ، مودة بدون قرابة ، وبدون مصالح مشتركة أو صداقة ، وهذه المودة بين الذين آمنوا ، كأنْ ترى شخصاً لأول مرة فتشعر نحوه بارتياح كأنك تعرفه ، وتقول له : إني أحبك لله .
هذه محبة جعلها الله بين المؤمنين ، فضلاً منه سبحانه وتكرُّماً ، لا بسبب من أسباب المودة المعروفة .
لذلك قال هرم بن حَيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ : إن الحق تبارك وتعالى حين يرى عبده المؤمن قد أقبل عليه بقلبه وأسكنه فيه ، وأبعد عن قلبه الأغيار ، وسلَّم قلبه وهو أسمى ما يملك من مستودعات العقائد وينبوع الصالحات وقدَّمه لربه إلا فتح له قلوب المؤمنين جميعاً .
تفسير الشعراوي — صفحة 9198
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩١٩٨