أي : إن كان له سبحانه ولد فعلى العَيْن والرأس ، إنما هذه مسألة ما أرادها الحق سبحانه ، وما تنبغي له ، فكيف أدَّعي أنا أن لله ولداً هكذا من عندي ؟
وما حاجته تعالى للولد ، وقد قال في الآية بعدها : { إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض }
ذلك لأن الخالق تبارك وتعالى خلق الإنسان ، وجعل له منطقة اختيار يفعل أو لا يفعل ، يؤمن أو لا يؤمن ، وكذلك جعل فيه منطقة قَهْر ، فالكافر الذي أَلِف الكفر ، وتعوَّد عليه ، وتمرد على الطاعة والإيمان ، هل يستطيع أنْ يتمرّد مثلاً على المرض أو يتمرَّد على الموت ، أو على الفقر ؟
إذن : فأنت مُختار في شيء وعَبْد في أشياء ، كما أن منطقة الاختيار هذه لك في الدنيا ، وليست لك في الآخرة . وسبق أنْ فرَّقنا بين العباد والعبيد ، فالجميع : المؤمن والكافر عبيد لله تعالى ، أما العباد فهم الذين تنازلوا عن اختيارهم ومرادهم لمراد ربهم ، فجاءت كُلُّ تصرفاتهم وفقاً لما يريده الله .
وهؤلاء الذين قال الله فيهم : { وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً } [ الفرقان : 63 ] .
ومعنى : { إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً } [ مريم : 93 ] أي : في الآخرة ، حيث تُلْغَى منطقة الاختيار ، ولا يستطيع أحد الخروج عن مراد الله تعالى ، ويسلب الملك من الجميع ، فيقول تعالى : { لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر : 16 ] .
تفسير الشعراوي — صفحة 9196
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩١٩٦