و { ثُمَّ } حرف عطف يفيد الترتيب مع التراخي ، على خلاف الفاء مثلاً التي تفيد الترتيب مع التعقيب ، ومن ذلك قوله تعالى : { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ } [ عبس : 21 - 22 ]
فلم يَقُل الحق سبحانه : فرددنا ، بل { ثُمَّ رَدَدْنَا } ذلك لأن بين الكَرَّة الأولى التي كانت للمسلمين في عهد رسول الله ، وبين هذه الكَرَّة التي كانت لليهود وقتاً طويلاً .
فلم يحدث بيننا وبينهم حروب لعدة قرون ، منذ عصر الرسول إلى أن حدث وَعْد بلفور ، الذي أعطى لهم الحق في قيام دولتهم في فلسطين ، وكانت الكَرَّة لهم علينا في عام 1967 ، فناسب العطف ب « ثم » التي تفيد التراخي .
والحق سبحانه يقول : { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ . . } [ الإسراء : 6 ]
أي : جعلنا لبني إسرائيل الغَلَبَة والقوة والنصر على المسلمين وسلّطناهم عليهم ؛ لأنهم تخلوْا عن منهج ربهم ، وتنازلوا عن الشروط التي جعلتْهم عباداً لله .
و ( الكَرَّة ) أي : الغلبة من الكَرِّ والفَرِّ الذي يقوم به الجندي في القتال ، حيث يُقِدم مرة ، ويتراجع أخرى .
وقوله تعالى : { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً } [ الإسراء : 6 ]
وفعلاً أمدّهم الله بالمال حتى أصبحوا أصحاب رأس المال في العالم كله ، وأمدّهم بالبنين الذين يُعلِّمونهم ويُثقّفونهم على أعلى المستويات ، وفي كل المجالات .
تفسير الشعراوي — صفحة 8361
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٣٦١