تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8710

مساهمون:

ص٨٧١٠
الآية تُعطينا نموذجين لتلقِّي القرآن : إنْ تلقَّاه المؤمن كان له شفاء ورحمة ، وإنْ تلقّاه الظالم كان عليه خَسَار ، والقرآن حَدَّدَ الظالمين لِيُبَيِّن أن ظلمهم هو سبب عدم انتفاعهم بالقرآن ؛ لأن القرآن خير في ذاته وليس خساراً . وقد سبق أن أوضحنا أن الفعل قد يكون واحداً ، لكن يختلف القابل للفعل ، ويختلف الأثر من شخص لآخر ، كما أن الماء الزلال يشربه الصحيح ، فيجد له لذة وحلاوة ويشربه العليل فيجده مُرَّاً مائعاً ، فالماء واحد لكن المنفعل للماء مختلف . كذلك أكل الدَّسم ، فإنْ أكله الصحيح نفعه ، وزاد في قوته ونشاطه ، وإنْ أكله السقيم زاده سُقْماً وجَرَّ عليه علة فوق عِلّته . وقد سبق أن أوضحنا في قصة إسلام الفاروق عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أنه لما تلقى القرآن بروح الكفر والعناد كَرهه ونَفَر منه ، ولما تلقاه بروح العطف والرِّقّة واللين على أخته التي شجَّ وجهها أعجبه فآمن . إذن : سلامة الطبع أو فساده لها أثر في تلقِّي القرآن والانفعال به . وما أشبه هذه المسألة بمسألة التفاؤل والتشاؤم ، فلو عندك كوب ماءٍ قد مُلِئ نصفه ، فالمتفائل يُلفِت نظره النصف المملوء ، في حين أن المتشائم يُلفِت نظره النصف الفارع ، فالأول يقول : نصف الكوب ممتلئ . والآخر يقول : نصف الكوب فارع ، وكلاهما صادق لكن طبعهما مختلف . وقد عالج القرآن مسألة التلقِّي هذه في قوله تعالى : { وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا