تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3784

مساهمون:

ص٣٧٨٤
ومعنى « تعالوّا » أي ارتفعوا ؛ لأننا نعيش على الأرض ، وإياكم أن تشرّع الأرض لكم ؛ لأن تشريع الأرض إذا لم يكن في ضوء منهج اللّه فهو حضيض . واللّه يريد تشريعا عاليا ، ولا بد لكم من أن تتلقوا من السماء أحكامكم ؛ حتى لا تتيهوا ولا تضلوا في باطل تشريعات لا تدور في إطار منهج اللّه . والحق يقول هنا :
« وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ »
وهو قول يصدق على القرآن فقط برغم أن كل الكتب السماوية السابقة كانت كتب منهج ، وكانت المعجزة منفصلة عن المنهج ؛ فمعجزة موسى عليه السّلام - كما نعرف - هي العصا ، ومنهجه التوراة ، وعيسى عليه السّلام معجزته إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن اللّه ومنهجه الإنجيل . لكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تميّز بأن معجزته عين منهجه ، لأن كل دين من الأديان السابقة كان لزمن محدود ، في مكان محدود . وجاء صلّى اللّه عليه وسلم بالدين الجامع المانع ، لذلك جاءت المعجزة هي المنهج ، فلو أن معجزته صلّى اللّه عليه وسلّم كانت من جنس معجزات السابقين ؛ أي كانت كونية مرئية لانتهت . ونحن لم نصدق معجزات الأنبياء السابقين إلا لأن القرآن قالها وصارت خبرا ، وكل منها تليق بالزمن المحدود والمكان المحدود . لكن الإسلام جاء ليعم كل الأزمنة وكل الأمكنة ، ولذلك لزم أن تكون المعجزة مستصحبة للمنهج ؛ حتى يستطيع من يأتي بعد عصر النبوة إلى قيام الساعة أن يقول : محمد رسول اللّه وتلك معجزته . والقرآن مبارك ، ونحن في أعرافنا حين نتكلم بالعامية نأتى بالكلمة التي هي من نفح ونضح الاستعمالات الفصيحة التي سمعناها ، فنجد من يقول : « واللّه هذا الأكل فيه بركة ؛ فهو مصنوع لاثنين وأكل منه أربعة وفاض وزاد » . إذن ، « البركة » أن يعطى الشئ أكبر من حجمه المنظور . وبركة القرآن غالبة ومهيمنة ، ولو قاس كل إنسان حجم القرآن بحجم الكتب الأخرى لوجد حجم القرآن أقل ، ومع ذلك فيه من الخير والبر والبركات والتشريعات والمعجزات والأسرار ما تضيق به الكتب ، ونجد من يؤلف ويفسر في أجزاء متعددة ، ومع ذلك ما استطاع واحد ان يصل إلى حقيقة المراد من اللّه ؛ لأن القرآن لو جاء وأفرغ عطاءه في القرن الذي عاش فيه الرسول فقل لي باللّه : كيف تستقبله القرون الأخرى ؟ ! إنه يكون استقبالا خاليا من العناية به لأنه سيكون كلاما مكررا .