وليس لقائل أن يقول : كيف يقول الحق إن أمره قد أتى وذلك فعل ماض ، ثم ينهى العباد عن استعجاله ، والإنسان لا يتعجل إلا شيئا لم يحدث ، ليس لقائل أن يقول ذلك ؛ لأن المتكلم هو القوة الأعلى ولا شئ يعوق الحق أن يفعل ما يريد . أما نحن العباد فلا نجرؤ أن نقول على فعل سوف نفعله غدا إننا فعلناه ، ذلك أن غدا قد لا يأتي أبدا ، أو قد يأتي الغد ولا نستطيع أن نفعل شيئا مما وعدنا به ، أو قد تتغير بنا الأسباب . وعلى فرض أن كل الظروف قد صارت ميسرة فأي قوة للعبد منا أن يفعل شيئا دون أن يشاء اللّه ؟ . ونحن - المؤمنين - نعرف ذلك وعلينا أن نقول كما علمنا اللّه :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
( من الآية 23 وجزء من الآية 24 سورة الكهف )
وهكذا يضمن الإنسان منا أنه قد خرج من دائرة الكذب . وحينما يقول اللّه لرسوله : « انظر » ويكون ذلك على أمر لم يأت زمان النظر فيه ؛ فرسول اللّه يصدق ربه وكأنه قد رأى هذا الأمر . إن الحق يصف هؤلاء الناس بأنهم :
« كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ »
أي أن كذبهم الذي سوف يحدث يوم القيامة هو أمر واقع بالفعل . وقد يكذب الإنسان لصالحه في الدنيا . لكن الكذب أمام اللّه يكون على حساب الإنسان لا له .
ويتابع الحق :
« وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ »
ومعنى هذا أنهم يبحثون في اليوم الآخر عن الشركاء ولكنّهم لا يقدرون على تحديد هؤلاء الشركاء لأنهم قالوا أمام اللّه :
« وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ »
وغياب الشركاء عنهم أمام اللّه هو ما يوضحه ويبيّنه قول اللّه :
« وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ »
ف « ضل » هنا معناها « غاب » .
ألم يقولوا من قبل :
وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ
( 10 )
( سورة السجدة )
أنهم كمنكرين للبعث يتساءلون باندهاش : أإذا غابوا في الأرض واختلطوا بعناصرها يمكن أن يبعثهم ربهم من جديد ؟ . فهم لا يصدقون أن الذي أنشأهم أول مرة بقادر على أن يعيدهم مرة أخرى . ونعرف أن كلمة « ضل » لها معان متعددة .