فيكون طيرا ، وإحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص . وهذه الآيات خرق للناموس المادي ، ولذلك يتبع الحق كل واحدة منها بذكر كلمة : « بإذني » أي أن هذه المعجزات لم تكن لتحدث لو لم يأذن بها اللّه . ولم يذكر الحق ذلك بالنسبة للآيات الأخرى لأنها أمر ظاهر ومعروف ، حتى يكون الأمر واضحا أمام كل إنسان ممن يحبون عيسى ويرتفعون به إلى مقام أعلى من مقام النبوة المؤيدة ممن أرسله . وحتى لا يخدع قوم عيسى في هذه الآيات ويظنوها مزية مطلقة له ، ولكنها مجرد آيات معجزات لإثبات صدق الرسالة عن اللّه .
إن عيسى عليه السّلام حينما أخذ كل قطعة من الطين ليصور منها طيرا وينفخ فيها فتكون طيرا لم يفعل ذلك بقدرته وإرادته ، وإنما حدث ذلك بإذن من اللّه ، ولم يحترف عيسى تلك المسألة ، وكذلك كان إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن اللّه ، وكل ذلك خرق لناموس المادة ، لذلك كرر الحق القول بأن هذا الخرق كان بإذن منه سبحانه حتى نعرف أن عيسى لم يأخذ من قدرة اللّه طلاقة له بل انحصر الأمر في هذه المسائل التي أذن اللّه فيها فقط .
إننا نجد أن كل خرق لناموس الغيب عند الأنبياء أو الأولياء ، أو من يعطيهم اللّه هذه الإشراقية ، هذا الخرق إنما هو لتكريم النبي أو الولي أو الذي تشرق عليه فيوضات اللّه ، وعلينا أن نعرف أن اللّه لم يعط إنسانا واحدا القدرة على العلم بالغيب مطلقا ، إنما يطلع الحق بعضا من خلقه بهبة من تجلياته على شئ جزئي . فالحق سبحانه وتعالى هو مالك الغيب :
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ
( من الآية 59 سورة الأنعام )
ولم نر إنسانا علاما للغيب ولكن يعلمه اللّه بغيب من بعض غيبه . حتى يعلم أنها أحداث وقتية يتجلى اللّه فيها بفضله ، ليثبت حالة من الحالات ، ثم يطل الإنسان مع الناموس العام في كون اللّه . والناموس الكوني هو الأمور والقوانين التي أطلقها اللّه في الكون لتعمل لخدمة المؤمن والكافر والطائع والعاصي . ومثال ذلك شروق الشمس وغروبها ، وحركة السحاب حاملا المطر ، ووجود الأرض بعناصرها القابلة للزراعة . وخرق الناموس يكون بإذن من اللّه للرسل والأنبياء والأولياء ؛ إننا نجد