( 32 )
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا
( 33 )
( سورة مريم )
قال عيسى عليه السّلام في المهد هذه الكلمات ليبرىء أمه الصدّيقة ، ذلك أنهم اتهموها في أعز شئ لديها ، ولذلك لم يكن ليجدى أي كلام منها . وإنقاذا لها أبلغها الحق عن طريق جبريل أو عيسى عليهما السّلام أن تقول :
إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا
( من الآية 26 سورة مريم )
وسبحانه وتعالى يعلم أن ميلاد عيسى من أم لم يمسسها رجل هو خرق لناموس الكون في الحمل ، وكذلك أراد الحق أن يكون هناك خرق للناموس في الكلام فيتكلم عيسى في المهد بكلام معجز له معنى . وعلمه الحق الكتاب :
« وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ »
أي علمه اللّه الكتابة ، وعلمه التوراة ، وأنزل عليه الإنجيل ، وألهمه الحكمة وهي الكلام المحكم الصواب بإلهامات اللّه ومقابلها في الإسلام أحاديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم .
وجاءت دقة الأداء القرآني لتمنع أي تصور لتدخل من ذات عيسى فيما أجراه اللّه على يديه وذلك منعا للفتنة فقال الحق :
« وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ »
إذن فعيسى لا يخلق الطير ولكن يصنع من الطين مثل هيئة الطير ، فالحق وحده هو الذي يخلق الطير ؛ فلأنه الإله فهو الذي يخلق خلقا عاما ، أما البشر فبإمكانهم أن يخلقوا أشياء ويشكلوها كمثل المخلوقات ، لكنها ليست مخلوقات .
إننا نرى ذلك في التماثيل التي ينحتها المثّال من الصخر أو يشكلها من الطين كهيئة الجمل أو العصفور ، لكنه لا يملك أن ينفخ فيه الروح ، وقد يخترع الإنسان أشياء مثل الكوب من الرمل المصهور المنقى ، لكننا لم نسمع عن خلق كوب ذكر وكوب أنثى ليتوالد من الاثنين نسل من الأكواب !
إننا نرى دائما أن خلق الإنسان لشئ إنما يظل معقودا على حاله فلا ينسل ولا ينمو ولا يحس ، والخالق الأعظم يخلق من عدم ، أما أنت أيها الإنسان فتصنع أشياء مما