بالإيمان ؛ لأن الكيفية تتطلب تجربة . فأمره الحق أن يأتي بأربعة من الطير وضمها إليه ليتعرف عليها جيدا . وأن يقطعها إبراهيم بيديه ويضع كل قطعة على جبل ويناديها ، فتأتي القطع بنداء إبراهيم وقد صارت هي الطير نفسها التي كانت من قبل .
وهكذا أراد اللّه لعيسى عليه السّلام أن يصنع من الطين مثل هيئة الطير بإذن اللّه وأن ينفخ فيها بإذن اللّه فيصير الطين طيرا . وأراد اللّه لعيسى أن يبرئ الأكمه أي الذي ولد أعمى . وقد يقول قائل : إن في عصرنا يتم ترقيع القرنية ويمكن أن يرى ويبصر بعض من الذين ولدوا بلا قدرة على الإبصار . ونقول : إن ما يحدث في عصرنا هو سبق وتقدم علم بناء على تجارب ، أما ما حدث مع عيسى فكان خرقا للناموس وأراده اللّه معجزة . وكذلك أراد اللّه أن يجرى على عيسى شفاء الأبرص أي الذي أصابه بياض كالرقع في بشرته . وكذلك كف بني إسرائيل عنه عندما أرادوا إيذاءه وقتله . وعندما رأوا كل ذلك آمن بعضهم ، وكفر البعض واتهموا عيسى عليه السّلام بأنه ساحر . وكان ذلك منهم كذبا وافتراء عليه ؛ لأنه نبي مرسل بمعجزات واضحة .
وفي هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد الحق سبحانه وتعالى يسرد نعمه على سيدنا عيسى عليه السّلام . وسرد النعمة على الرسول ليس المقصود منه تنبيه الرسول إلى النعمة ، فالرسول يعلم النعم جيدا لأنها جرت عليه ، ولكنه تقريع لمن رأى هذه الأحداث والنعم ولم يلتزم الإيمان باللّه بعدها ، وقد أجرى سبحانه كل هذه النعم على عيسى عليه السّلام وأيده اللّه بما يقوى ويزكى رسالته إلى قومه . فكانت نعمة أولا عليه ، لأنه مصطفى ، مختار ، مؤيد . ونلحظ أن هذه الآيات والنعم تنقسم إلى قسمين : قسم يقنع أصحاب العقول والألباب والفكر والمواجيد النفسية .
وقسم يقنع القوم الماديين الذين لا يؤمنون بملكوت اللّه في غيب اللّه . والقسم الأول الذي يقنع أصحاب العقول والألباب هو تعليم الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل .
والقسم الثاني الذي يقنع الماديين هو الأمور المادية الحسية التي يتعرف من يراها على أنها لا يمكن أن تجرى على يد بشر ، كأن يخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه
تفسير الشعراوي — صفحة 3452
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٣٤٥٢