تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3362

مساهمون:

ص٣٣٦٢
الكافرين أخذ عزيز مقتدر . ولكنه يؤاخذ المؤمنين ، لماذا ؟ لأن المؤمنين طرف في التعاقد ، أما الكافرون فليسوا طرفا في التعاقد ؛ لذلك يأخذهم أخذ عزيز مقتدر . إذن فالمؤاخذة غير الأخذ ، المؤاخذة هي إنزال عقوبة بمن له معك عهد فخالفه بعمل جريمة نصّ عليها ؛ فلا يؤاخذه أبدا بجريمة لم ينص عليها ، ولا يتم توقيع عقاب على أحد دون تحذير مسبق . ولذلك ففي القانون المدني يقولون : لا عقوبة إلا بجريمة ولا جريمة إلا بنص . إذن لا بد من النص أولا على العقاب على الجريمة ؛ لأن النص على فعل ما بأنه جريمة يجعل الإنسان يراجع نفسه قبل الإقدام على مثل هذا الفعل . أما عدم وجود نص على أن ذلك الفعل جريمة يجعل الإنسان حرا في أن يفعله أو لا يفعله لأنه فعل مباح . وعلينا أن نلحظ التعاقد في قوله الحق :
« لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ » .
وعندما ننظر إلى معنى : « اللغو » نجده الشئ الذي يجرى على اللسان بدون قصد قلبي ؛ مثل قول الإنسان في اللغة العامية : لا واللّه أو : واللّه أن تأتى للغداء معنا ، هذا هو اللغو . أي هو الكلام من غير أن يكون للقلب فيه تصميم . وسبحانه وتعالى قد خلقنا وهو الأعلم بنا علم - سبحانه - أن هناك كلمات تجرى على ألسنتنا لا نعنيها . ودليل ذلك أن الأم التي تحب وحيدها قد تدعو عليه ، لكن ذلك بلسانها ، أما قلبها فيرفض ذلك . ولهذا يقول المثل الشعبي : أدعى على ابني وأكره من يقول آمين . إذن الحق سبحانه وتعالى علم بشريتنا ، وعلم أن اللسان قد يأتي بألفاظ لم تمر على قلبه فيقول سبحانه :
« لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ »
واتبع الحق ذلك :
« وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ » .
وساعة نرى كلمة : « ولكن » نعرف أن هناك استدراكا ، والاستدراك هو إثبات ما يتوهم نفيه أو نفى ما يتوهم ثبوته . وساعة نرى كلمة « عقّدتم » فهي دليل على أنها عملية جزم قلبية ، وأن الإنسان قبل أن ينطق بالقسم قد أدار المسألة في ذهنه وخواطره وانتهى إلى هذا الرأي .