تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3334

مساهمون:

ص٣٣٣٤
قال في إحدى مقطوعاته النثرية التي سمّاها « أسواق الذهب » : ربما تقتضيك الشجاعة ، أن تجبن ساعة ؟ وهذه الشجاعة لا تكون على العدو فقط ولكنها تكون شجاعة في مواجهة النفس ، مثال ذلك : لو أن جماعة من الأقوياء كانوا جالسين معا في جلسة سمر ، ثم دخل عليهم صعلوك يحمل مسدسا ، وقام بتوجيه السباب لكل منهم ، هنا يتحايل عليه هؤلاء إلى أن يتمكنوا منه ليعاقبوه . إذن فالشجاعة تقتضى أن يجبن الإنسان لحظة إلى أن يتمكن من الخصم . وهذه هي الكياسة والحيلة ، فالإيمان ليس انتحارا ، بل يقتضى الإيمان ألا يدخل المؤمن معركة إلا وعنده حسبان في الكسب . وها هو ذا حضرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يسمى خالد بن الوليد « سيف اللّه المسلول » في معركة لم ينتصر فيها خالد ، ولكنه انتصر انتصارا سلبيا بأن عرف كيف يسحب الجيش ، فالأمر بسحب الجيش يحتاج إلى قوة أكثر مما يحتاج إليه النصر . فالمنتصر تكون الريح معه . أما المهزوم فتكون الريح ضده . ونجد القرآن الكريم يقول :
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
( 16 ) ( سورة الأنفال ) إذن فالمناورة والكيد من المهارة القتالية لأنها تتيح من بعد ذلك القدرة على مواجهة العدو . وينير النور الإلهى بصيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيستعرض الأرض كلها حتى يختار مكانا آمنا يذهب إليه هؤلاء المؤمنون ، فيختار الحبشة . لم يشأ صلّى اللّه عليه وسلم أن يأمرهم بالذهاب إلى أي قبيلة من القبائل ؛ لأنه يعلم أن كل قبائل الجزيرة تخشى قريشا ، فموسم الحج جامع للقبائل تحت سيادة قريش . ومن يقف