تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2525

مساهمون:

ص٢٥٢٥
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
( من الآية 56 سورة القصص ) وهذا القول فيه نفى الهداية عن الرسول ، وهو سبحانه القائل أيضا :
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( من الآية 52 سورة الشورى ) وليس من المعقول أن ينفى الحق الهداية عن الرسول ثم يثبتها له . ونفهم من ذلك : إنك يا رسول اللّه تدل على الحق ، ولكنك لا تعين عليه . فاللّه هدى الناس جميعا فدلهم على طريق الخير . فمن آمن به وأقبل عليه يسر له الأمر . وبذلك نكون قد عرفنا تماما معنى قوله الحق :
« وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا » .
فالذي يضله اللّه هو من اكتسب ما يوجب أن يضله فلا تجد له سبيلا . وكان من الممكن أن يقول اللّه : أتريدون أن تهدوا من أضل اللّه ومن يضلل اللّه فلا تستطيعون أن تهدوه ، ولكن الأبلغ هو ما يوضحه سبحانه لنا : أنتم لا تستطيعون هداية هذا المكتسب للضلال ؛ ذلك أنه لا يوجد سبيل حتى تهدوه إليه . فالسبيل هو الممتنع وليس الهداية فقط . والسبيل هو الطريق الذي يعطيك حقا في الهداية ، فإذا ما امتنع السبيل فماذا تفعل ؟ ومن يضلل اللّه فلن تجد له سبيلا في أن ينقض هذا القرار ، أي لا حجة له على الإطلاق . ولذلك أخذنا المعنيين هنا ، فالذين ينافقون يظهرون الإيمان مرة وينقلبون إلى الكفر مرة ، هم ينكرون الإيمان بقلوبهم والذي يقولون بألسنتهم هو الإسلام ، أمّا الإيمان فلمّا يدخل في قلوبهم . وما هو الأعز على النفس البشرية ؟ مكنونات القلب أم مقولة اللسان ؟ الأعز هو مكنونات القلب . وما داموا هم لا يؤمنون بقلوبهم ويقولون فقط بألسنتهم ، فالعقيدة داخلهم معقودة على الكفر ، وما دامت العقيدة معقودة على الكفر فهم لا يريدون أن يأتوا إلى صف الإيمان ، ولكنهم يريدون جر المؤمنين إلى معسكر الكفر ؛ لذلك يقول الحق بعد ذلك :