تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2494

مساهمون:

ص٢٤٩٤
ولذلك قلنا : إن الذي يحب أن تسرع إليه نعم غيره فليحب النعم عند أصحابها . فإنك أيها المؤمن إن أحببت نعمة عند صاحبها جاءك خيرها وأنت جالس . وإذا ما حرمت من آثار نعمة وهبها اللّه لغيرك عليك فراجع قلبك في مسألة حبك للنعمة عنده ، فقد تجد نفسك مصابا بشئ من الغيرة منها أو كارها للنعمة عنده ، فتصير النعمة وكأنها في غيرة على صاحبها ، وتقول للكاره لها : « إنك لن تقربني ولن تنال خيرى » . ويختم الحق الآية :
« وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً »
جاء هذا القول بعد الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة ، وفي ذلك تنبيه لكل العباد : إياكم أن يظن أحدكم أن هناك شيئا مهما صغر يفلت من حساب اللّه ، فلا في الحسنة سيفلت شئ ، ولا في السيئة سيضيع شئ . وأخذت كلمة « مقيتا » من العلماء أبحاثا مستفيضة . فعالم قال في معناها : إن الحق شهيد ، وقال آخر : « إن الحق حسيب » ، وقال ثالث : إن « مقيتا » معناها « مانح القوت » ورابع قال : « إنه حفيظ » وخامس قال : « إنه رقيب » . ونقول لهم جميعا : لا داعى للخلاف في هذه المسألة ، فهناك فرق بين تفسير اللفظ بلازم من لوازمه وقد تتعدد اللوازم ، فكل معنى من هذه المعاني قد يكون صحيحا ، ولكن المعنى الجامع هو الذي يكون من مادة الكلمة ذاتها . و « مقيت » من « قاته » أي أعطاه القوت ، ولماذا يعطيهم القوت ؟ ليحافظ على حياتهم ، فهو مقيت بمعنى أنه يعطيهم ما يحفظ حياتهم ، ومعناها أيضا : المحافظ عليهم فهو الحفيظ . وبما أنه سبحانه يعطى القوت ليظل الإنسان حيا ، فهو مشاهد له فلا يغيب المخلوق عن خالقه لحظة ، وبما أنه يعطى القوت للإنسان على قدر حاجته فهو حسيب . وبما أنه يرقب سلوك الإنسان فهو يجازيه . إذن كل هذه المعاني متداخلة ومتلازمة ؛ لذلك لا نقول اختلف العلماء في هذا المعنى ، ولكن لنقل إن كل عالم لاحظ ملحظا في الكلمة ، فالذي لاحظ القوت الأصلي على صواب ، فلا يعطى القوت الأصلي إلا المراقب لعباده دائما ، فهو شهيد ، ولا يعطى أحدا قوتا إلا إذا كان قائما على شأنه فهو حسيب . وسبحانه لا يقيت
تفسير الشعراوي — صفحة 2494 | محمد متولي الشعراوي