هذه الآية كثر كلامنا فيها ، وفي كل مناسبة من المناسبات جاء الكلام عنها ، ولكن علينا أيضا أن نعيد بشئ من الإيجاز ما سبق أن قلناه فيها ، اللّه سبحانه وتعالى يقول :
« أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ » ،
ولماذا أطيع اللّه وأطيع الرسول ؟ لأن فيه الحيثيات المقدمة ، فأنت عندما ترى حكما من القاضي تجد أن هناك حيثيات الحكم أي التبرير القانوني للعقوبة أو للبراءة ؛ فيقول القاضي : بما أنه حدث كذا فقانونه كذا حسب المادة كذا . هذه هي الحيثيات . و « الحيثيات » مأخوذة من : حيث إنه حدث كذا فحكمنا بكذا . أو حيث إنه لم يحدث كذا فحكمنا بكذا ، إذن فحيثيات الحكم معناها : التبريرات التي تدل على سند الحكم لمن حكم .
هنا يقول سبحانه :
« أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ » .
وهل الحق سبحانه وتعالى قال : يا أيها الناس أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول ؟ لا . لم يقل ذلك ، لقد قال :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » .
إذن فما دمت قد آمنت باللّه إلها حكيما خالقا عالما مكلّفا فاسمع ما يريد أن يقوله لك ، فلم يكلف اللّه مطلق أناس بأن يطيعوه ، إنما دعا مطلق الناس أن يؤمنوا به . ومن يؤمن يقول له : أطعني ما دمت قد آمنت بي .
إذن فحيثية الطاعة للّه وللرسول صلّى اللّه عليه وسلم نشأت من الإيمان باللّه وبالرسول . وهذه عدالة كاملة ؛ لأنه سبحانه لا يكلف واحدا أن يفعل فعلا إلا إذا كان قد آمن به - سبحانه - مكلّفا ، آمن به آمرا ، أما الذي لا يؤمن به فهو لا يقول له :
افعل كذا ولا تفعل كذا ، إنه سبحانه يطالبه أن يؤمن به أولا ، فإذا ما آمن به يقول له : استمع إلى ، ولذلك تجد كل تكليف يصدر بقوله سبحانه :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » .
إن حيثية إطاعة اللّه وإطاعة الرسول هي : الإيمان به ، هذه هي الحيثية الإيمانية الأولى ، أما إن جال ذهنك لتدرك سر الطاعة ، فهذا موضوع آخر ، ولذلك أوضح : إياكم أن تقبلوا على أحكام اللّه بالبحث فيها أولا فإن اقتنعتم بها أخذتموها